سياسية

الذكرى الستون للنكبة: قصة واحدة وروايتان مختلفتان

قال كاتب إسرائيلي ذات مرة إن القدس هي المكان الوحيد على وجه البسيطة الذي يكون فيه الأموات أكثر أهمية من الأحياء.
ويعني ذلك أن التاريخ يكون حيا في أذهان الناس في تلك الأرض المقدسة أكثر مما هي عليه الحال في أي مكان آخر يمكنني التفكير به في العالم.

وأي نقاش بشأن الفلسطينيين والإسرائيليين يمكنه، وبدون أن يكون مثيرا للجدل والخلاف على وجه خاص، أن يعيد شريط الذاكرة سريعا 60 عاما إلى الوراء، أي إلى ذكرى قيام دولة إسرائيل أو حتى ماقبلها بكثير، مرورا بوجود البريطانيين والأتراك والمسلمين والرومان وغيرهم ممن سبق أن استوطنوا في تلك البقعة من الأرض.

لقد أمضيت الأسابيع القليلة الماضية في البحث والتمحيص في ما كان يجري في الشرق الأوسط في عام 1948، أي تلك السنة التي شهدت إنشاء دولة إسرائيل، أو ما يطلق عليه الفلسطينيون "النكبة".
التاريخ والناس

ولا تعتبر بداية فترة الـ 60 عاما ذلك التاريخ البعيد على الإطلاق في المعايير المحلية، فالتاريخ يعني الكثير للناس في هذا المكان من العالم، لأنه ببساطة جزء لا يتجزأ من حياة أي شخص في هذه المنطقة.
لقد كان من المفترض أن تُتضمن نتائج وعواقب ما حدث عام 1948، أو بعضها على الأقل، في جدول أعمال اجتماع الأسبوع الماضي بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت.

لكن عملية السلام بين الطرفين لا تزال ، حتى الآن، تمشي الهوينى وتسير بخطى وئيدة، رغم أن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، الذي يرعى المفاوضات، يرغب قبل نهاية ولايته أواخر العام الحالي أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق ينهي قرنا من الصراع بينهما.
برامج حافلة

ولكن لم يتضح بعد ما إذا كان كل من أولمرت وعباس يعتبران ذلك التاريخ موعدا نهائيا لإنجاز التسوية. وإن كانا بالفعل يعتبران الأمر كذلك، فسيواجهان إذا فصول الربيع والصيف والخريف القادمة ببرامج جد حافلة ومزدحمة.

إلا أن الأمور تسير ببطء شديد إلى درجة أنه بالكاد يمكن احتساب أي شيء أُنجز أو يمكن إنجازه خلال فصل الشتاء الحالي.

وبالعودة إلى عام 1948، نرى أنه كان ما زال أمام الإنكليز حينئذ فترة ثلاثة أشهر إضافية قبل أن تنقضي فترة حكمهم لفلسطين، مع العلم أن السلطة التي كانوا يتمتعون بها كقوة حاكمة كانت قد أخذت تضمحل يوما بعد يوم.
حرب أهلية

وقد وضعت الحرب الأهلية أوزارها بين عرب فلسطين ويهودها الذين لم يكونوا يطلقون على أنفسهم تسمية إسرائيليين في تلك الأيام، إذ أن دولة إسرائيل الجديدة لم تعلن استقلالها إلا في شهر أيام/مايو من عام 1948.

طبعا لم يكن يود العرب أن تنشأ دولة يهودية، وكان من المتوقع أن يصارع اليهود، الذين قبلوا قرار الأمم المتحدة بتقسيم الأرض بينهم وبين العرب في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1947، من أجل الحفاظ على تواجدهم في تلك المنطقة.

أما في الوقت الراهن، فتواجه عباس وأولمرت ثلاث معضلات رئيسية تنتظر الحل: مستقبل القدس وقضية الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المزمعة ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين.
إعادة رسم الأولويات

ورغم أن انتصار إسرائيل في حرب الشرق الأوسط عام 1967 قد أدى إلى إعادة تشكيل تلك التحديات المذكورة آنفا، إلا أنها تعود بالأساس إلى عام 1948.
وقضية القدس تعود أصلا إلى ما قبل عام 1948 بكثير. فقبل ستين عاما، لم يكن يتخيل أي من الطرفين وضعا لا يكون له فيه الغلبة والدور المهيمن في المدينة المقدسة.

أما الآن، فالقضية هي ما إذا كان بإمكان الجانبين إيجاد سبيل لتقاسم المدينة فيما بينهما.

وفي موضوع الحدود، ينطلق الفلسطينيون، على الأقل، من نقطة اعتماد خط الحدود كما جاء في اتفاقية الهدنة عام 1949 والتي وضعت حدا للقتال الذي كان دائرا بين الطرفين في ذلك الحين. ويطلق غالبا على ذلك الخط اسم "حدود ما قبل عام 1967"، نظرا لأنها ظلت قائمة حتى نشوب الحرب.
الحدود واللاجئون

وفي نهاية المطاف، سيظل التوصل إلى حل لقضية الحدود أصعب من التوصل إلى تسوية قضية مستقبل اللاجئين التي بدأت بنزوح ما بين 600 و760 ألف لاجىء فلسطيني بين عامي 1947 و1948.

لقد نزح أولئك اللاجئون عن ديارهم لنفس الأسباب التي تدفع المدنيين عادة للفرار في أوقات الحرب في وجه عدو يتقدم نحوهم. وكان همّ النازحين حماية أطفالهم وأنفسهم، وقد أُرغم البعض منهم في بعض الأماكن على الرحيل عن منازلهم عنوة وتحت تهديد السلاح.

ويشكل الآن أولئك النازحون وأطفالهم وأحفادهم وحتى أبناء أحفادهم ما يُعرف بلاجئي الشتات الذين يناهز عددهم الـ 4.5 مليون نسمة.
مشاكل عويصة

ولم أقم هنا بتصنيف هؤلاء اللاجئين بناء على درجة المصاعب التي واجهتهم أو ما تزال تواجههم، فتلك المشاكل كلها صعبة وعويصة.

إلا أن هنالك شيئا هاما لا بد للمرء أن يتذكره بخصوص عام 1948، ألا وهو حقيقة أن ذلك العام يشكل أكبر معلَم أو حدث منفرد في سياق قصة تُروى بطريقتين مختلفتين.

فالعام الحالي يشكل مناسبة تشهد احتفالات عارمة في أوساط الإسرائيليين الذين حققوا إنجازا مذهلا ببنائهم قوة إقليمية جبارة وعصرية تعتمد على تكنولوجيا علمية متطورة.
على حسابهم

أما الفلسطينيون فيعتقدون بأن كل ذلك تم على حسابهم، كما سيكون هذا العام بالنسبة لهم بمثابة تذكير بدمار مجتمعهم وبتحطيم أحلامهم وتلاشيها.

ولكن الشيء الأكثر أهمية خلال هذا العام هو حقيقة أن هناك قائدا فلسطينيا وآخر إسرائيليا يحاولان معا إيجاد تسوية لإرث عام 1948 الذي بلغ الستين من عمره هذا العام.

وتبقي الحقيقة التي تقضّ مضجع الجميع هي أنه بالكاد تستطيع العثور على من يعتقد بأنه لدى عباس وأولمرت المقدرة على إنجاز مثل هكذا تسوية.


الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: حقائق وأرقام
عام 1947: اليهود يقبلون قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين والعرب يرفضون
عامي 1947 و1948: نزوح ما بين 600 و760 ألف لاجىء فلسطيني عن ديارهم
عام 1948: الإعلان عن قيام دولة إسرائيل
1949: توقيع اتفاقية الهدنة بين العرب والإسرائيليين
عام 1967: احتلال إسرائيل للضفة الغربية والجولان السوري وغزة وسيناء المصرية
عدد فلسطينيي الشتات يبلغ 4.5 مليون نسمة
المعضلات الرئيسية الثلاث بين الفلسطينيين والإسرائيليين: مستقبل القدس وقضية الحدود ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين
1991: انعقاد مؤتمر مدريد للسلام بين العرب والإسرائيليين
1993: توقيع اتفاق أوسلو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين
2007: انعقاد مؤتمر سلام الشرق الأوسط بمدينة أنابوليس الأمريكية بمشاركة حوالي خمسين دولة
2008: محمود عباس وإيهود أولمرت يعقدان سلسلة من الاجتماعات بهدف التوصل إلى تسوية للصراع بين الطرفين
2008: إسرائيل تحتفل بالذكرى الستين لتأسيسها