ثقافة وفن

هل تكون دراما الأتراك أولى البدايات؟

أثارت موجة الدراما التركية، التي لم تزل في بداياتها، الحفيظة والغيرة والنقد في معظم الوسط الثقافي العربي، خصوصا ذاك المرتبط بعلاقة اقتصادية وترويجية بصناعة الدراماالعربية، والسورية منها خصوصاً
مع أن الأمر، والذي يأخذ شكل قضية ثقافية ملحة، جدلية، ولها جمهورها، كما يظهر من الكتابات التي تناولتها، يستحق أن نراه من زوايا مختلفة، ودون تسرع، فالقضية أعمق من مجرد تسلية تلفزيونية.
نجحت المسلسلات التركية، في المقام الأول، في أن تشبع الفضول الذي يتملك العرب عموما، وأهل المشرق منهم خصوصا، تجاه هذا الجار القديم، البعيد القريب، الذي لم نسمع عنه ومنه الكثير من عقود طويلة، فعاش بقربنا في ظروف شبه عزلة ثقافية، حكمها تعفف عن التفاعل مع المجال العربي، وسعي حثيث ومحموم للانضمام الى الأسرة الأوروبية. فاشتدت الأبصار، رغبة في التعرف، الى اللوحة الاجتماعية التي ستقدمها هذه الدراما، والمساحة العامة للمجتمع التركي الذي يجهله السواد الأعظم من العرب والمشرقيين، واكتشاف مجتمع ودولة ما بعد السلطنة العثمانية التي كنا جزءا منها، وكان أجدادنا "مواطنين" فيها. المجتمع الأقرب الينا، الذي حظر الحجاب رسميا، والواصل الى مستوى متقدم من العلمانية وتحييد الدين عنه. مجتمع ما بعد الافتراق الأتاتوركي عن محيط حيوي وجغرافي أساسي لتركيا، هو المشرق العربي خصوصا، مجتمع المسلمين الأقرب لأوروبا.
في البداية، ظهر مسلسل "اكليل الورد" على احدى الفضائيات العربية، حاملا معه كل الزخم الكافي لتعبيد الطريق أمام مسلسلات أخرى لم ترق الى جودته والمعرفة التي قدمها. فقد قصّ علينا المسلسل، عبر احدى بطلاته، شيئا من التاريخ، عبر حكاية منزل كبير يؤجر غرفه، ضم تشكيلة من الشخصيات المختلفة التي عاشت فيه ، فامتزج التاريخ الشخصي لهؤلاء بالتاريخ الوطني والتحولات الاجتماعية التي شهدتها تركيا ابان الانقلاب العسكري عام 1980 وصولا الى اليوم. فرأينا شخصيات الثوار والمثقفين اليساريين، والصدمات التي اختبروها، وتعرفنا بشيء من الاختصار على احدى صور المؤسسة العسكرية، التي تملك وزنا حاسما في السياسة الداخلية والخارجية للدولة التركية، وظهرت شخصية شاب تركي مهاجر في ألمانيا، حيث تتركز أغلبية المهاجرين الأتراك الى أوروبا.
وعشنا مع بعض الأبطال الأجواء الساهرة في النوادي الليلية، حيث يمكن، كما عندنا، أن تكون فيها بداية فنان واعد على المستوى الوطني أو المحلي، عبر فن هو أقرب الينا لناحية الموسيقى والشجن والمزاج النفسي المصاحب له. وأمكن لنا، عبر المسلسل أيضا، أن نستنتج ولو ببساطة غير محبذة، موقع "المشروب الوطني" في الحياة الاجتماعية، فـ"العرق"، المشروب الكحولي الأبيض المصنوع من العنب، الذي دارت كؤوسه كثيرا طيلة أوقات المسلسل، ظهر وكأنه من عادات الناس هناك، ولا يرتبط شربه بأجواء معينة، صاخبة وماجنة أو مدعية للتحرر، كما الحال عندنا، أو الأصح كما تظهره الدراما التي نقدمها عن نفسنا ومجتمعاتنا المتنوعة.
فقد يكون هذا الفضول هو العامل النفسي الحاسم في شعبية متابعة الدراما التركية الواصلة الينا، والتي لا ندري مدى صدقية وجودة نوعيتها الفنية مقارنة بغيرها الذي لا يصلنا. والمؤسف أن التعرف على الآخر، أي آخر كان، قد احتكرته وسائل اعلام على حساب غيرها، وعبر نماذج وسياسات اعلامية تضع الجانب الربحي والمادي في أولويات عملها، فهذا التعرف على الآخر، والانفتاح على ثقافته، هيمنت عليه منتوجات اعلامية ذات طابع ترفيهي وسطحي، كما هي حال "موجة" الدراما التركية، المشكوك بمعايير انتقائها ومستواها الفني والثقافي، المطروحة في الأسواق الاعلامية. فاذا كانت هناك ملامح غزو ثقافي تركي، أو تبشير ثقافي تركي، فهو ما زال في مراحله الأولى، ولم يتبلور بعد.
أما اللغة، فقد لعبت دورها في توصيل هذه الدراما الى الجمهور العربي العريض والمتنوع، لتبرز هنا ظاهرة تستحق التأمل، وهي انتصار المحكي على المكتوب في اللغة، و المحلي على القومي، أي اللهجة العامية على اللغة القومية، وهي هنا اللهجة الدمشقية المعاصرة أو السوريـّة، لهجة البلاد الواقعة في المفارقة المحيـّرة، البلاد الرائدة في التعريب والتفصيح! ولعلنا لا ننجرف كثيرا اذ نقول بأن هذه اللهجة، وفي هذه الحقبة العربية، تتقدم لتأخذ الدور والمكانة التي كانت لتلك المصرية في الماضي، من أيام ما عرف بمرحلة النهضة العربية الى مراحل النكسة وبدايات عسكرة المجتمعات و"الكفاح المسلح"، لهجة الأدب والفن الرفيعين، والسينما، التي جمعت الغرام العذري الكلثومي، ورومانسية وسذاجة الثوار، وخيبات الأيديولوجيات الحزبية، والكوميديا والسخرية السياسية والثقافية. فحلت اللهجة الدمشقية المدينيـّة، التي قصّت وعبرت في العقد الأخير عن أمزجة المدينة المتبدلة، والمجتمعات الجديدة التي نشأت وأخذت تنموا في أطرافها، ضواحيها وعشوائياتها، وأزمة الانسان فيها، معاناته، يأسه، أمراضه وانحرافاته… اللهجة السلسة التي تجمع بين العذوبة والغنج والتأثيرات الغربية التي تتميز به البيروتية الحديثة، وبين الخيط الذي يربطها بالتاريخ الثقافي والاجتماعي المؤسس لها في تلك الدمشقية التقليدية.
والدراسة الأكثر عمقا وتمهلا، وحدها قادرة على الجزم بمدى هذا التأثير اللغوي – الصوتي، وقدرته على توصيل المنتج الثقافي بأنواعه.
لقد تحقق اذاً عنصر الانتشار عبر شروط الفضول والتشويق واللغة، وتحقق معه نوع من صدمة معرفيـة مجتمعية برزت في أوساط الشباب عموما، صدمة معرفة مجتمع قريب ومشابه الى حد ما. واستكمالا لهذا العرض لا بد من توسيع لعدسة الملاحظة لتشمل مستويات أعلى. ففي سورية، كان وزير الثقافة قد شارك في أيار (مايو) العام الماضي في مؤتمر "الذكرى المئوية الأولى للمشروطية الثانية (الدستور العثماني الثاني)" الذي عقد في اسطنبول، في زيارة تحمل دلالات وأبعاد عدّة استدعت اهتمام الصحافة التركية، خصوصا الكلمة التي ألقاها هناك والتي أعاد فيها الاعتبار التاريخي والمعنوي للسلطان عبد الحميد الثاني (راجع شُرفات الشام 2-6-2008)، الذي كان يقدّم في أدبيات الثقافة العروبية والقومية (الماضية؟)، على أنه طاغية الطغاة وسيد الاستبداد! وظهر كلام مهم ولافت من مفتي الجمهورية في سورية عندما دعا أمام مجموعة من الاعلاميين الأتراك، الى "ضرورة تعلم اللغة التركية" (بلدنا 22-12-2008)، وتزدهر حركة السياحة العربية والسورية بشكل خاص ولافت الى تركيا، فالطريق الى منطقة كسب في الشمال الغربي من سورية باتت تزدحم بسيارات الأجرة التركية التي تنقل الركاب بين البلدين. فنقطة الانطلاق لتركيا الجديدة نحو الفضاء العربي، في السياسة والاجتماع، كانت من سورية.
ودون أن نترك هذا جانبا، نعود الى خطابات الساسة والمثقفين الأتراك، والعبقة برائحة التاريخ القريب والرغبة بالعودة اليه والتذكير به والانتصار له، ومنها كلام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في البرلمان التركي ابان العدوان على غزة، عندما قال ما معناه إنه "حفيد أو وريث السلطنة العثمانية"، التي كانت تحكم هذه المنطقة، فالعهد السياسي الراهن في تركيا، نابض بالقوة والوتيرة العالية، خصوصا فيما خصّ قضايا الشرق الأوسط والاقليم المشرقي، ما يفسر تسمية هؤلاء الساسة الأتراك بـ"العثمانيين الجدد".
هنا، يكون التاريخ قد استفاد من السياسة والمصالح، عندما تضطر الى اعادة قراءة هذا التاريخ، والاضاءة وربما الاعتذار غير المباشر عن كثير من القراءات المتسرعة والمرتجلة الماضية، وتكون السياسة من جهة أخرى قد استفادت من ذاك الاكتساح الثقافي واستخدمته كمعبر أو مدخل الى المزاج الاجتماعي العام. فاذا أضفنا الى ما سبق، ما نراه في العلاقات الرسمية السورية – التركية، الناضجة في كافة المجالات، من سياسية واقتصادية وسياحية، وحتى ثقافية، نستطيع القول أن السلطان العثماني قد صحا من حلمه الأوروبي، أو قد يكون قد بدّل الوسادة التي ينام عليها ذاك الحلم، ليسعى الى رؤيته من مكان آخر. فأدار وجهه صوب البستان المشرقي القديم والتاريخي، ساعيا لاستعادة دوره ومكانته، ويقلل من حظوظ الآخرين فيه.
فحالنا، حال المشرق، حال أوراق اللعب، كلما انتهت حقبة من اللعب والحياة، اختلطت الأوراق، واذ تختلط، تعود الأوراق القديمة للظهور على مسرح الحياة والمجتمع… واللعب.

تعليق واحد