ثقافة وفن

بنت الساحرة – عبد السلام العجيلي

كانت باكورة أعمال الطبيب الأديب عبد السلام العجيلي ( 1918-2006) مجموعته القصصية الأولى , التي صدرت في أواخر عام 1948 , عن دار مجلة( الاديب) (البيروتية) لصاحبها ألبير أديب, تحت عنوان : (بنت الساحرة) ,

 

التي أسست البدايات الأولى لتكوينه القصصي, المرتكز على البنية السردية, والشخصيات الواقعية المنتزعة من قلب الحياة, دون ان يغفل تحديد الزمان والمكان , والمغزى العام..‏

تتألف هذه المجموعة القصصية من عشر قصص, استهلكت حوالي ال¯ 140 صفحة من القطع المتوسط, ومما يسترعي الانتباه ان هذه المجموعة, لم تسبقها مقدمة نقدية تقريظية بقلم أحد مشاهير عصره, كتقليد متبع في هذه الحالات, هذا الموقف يدلنا على ثقة الراحل العجيلي بنفسه , وبما تجود به قريحته من كتابات ابداعية.‏

تبدأ معظم هذه القصص في الزمن الماضي, على لسان الطبيب العجيلي نفسه, الذي انتحل صفة الراوي, او البطل , او الشاهد على الحدث, ومثالنا على ذلك ما أورده في مطلع قصته ( قطرات دم) : (كنت في سنة.. طبيباً داخلياً في مستشفى المعهد الطبي. ومعنى ذلك اني كنت طالباً وقع عليه الخيار ليصبح ملازما في ذلك المستشفى مدة تبلغ الثلاث سنوات.. ).‏

ويجعل الراوي- المؤلف نفسه البطل المحوري للعديد من قصص هذه المجموعة, فتظهر شخصيته منذ بداية الحدث وحتى نهايته, دون ان يخلع رداء الطبيب المشحون بعلوم الطب الحديث والخبرة الحياتية.‏

وقد لجأ العجيلي الى استعراض ثقافته اللغوية أمام قراء مجموعته القصصية الاولى, فاستخدم كلمات قاموسية غير شائعة الاستعمال في حياتنا العامة: (البطن متقفع-آلام جارشة-تلجلج اللسان- امرأة بسيطة تكأكأ..).‏

ومما يلاحظ .. ان الكاتب كان يستعين بأقوال مأثورة لحكماء او شعراء, يضعها في بدايات قصصه, لإنارة الحدث وتسليط الضوء عليه , لكن العجيلي تخلص من هذا الأسلوب المباشر, في مجموعته القصصية الثانية ( رصيف العذراء السوداء), ليبدأ نضوجه الفني الذي أوصله تدريجياً ان يكون ظاهرة ثقافية وابداعية غنية في حياتنا العربية, بالرغم من الألقاب الفخمة التي أطلقت عليه: البدوي الاخير, فرات الأدب, تشيخوف العرب, حكواتي الرقة, لكنه ظل نسيج وحده , لا أحد يشبهه في أسلوبه , وفي ثقافته الموسوعية, التي تفسر لنا بجلاء تنوع نتاجاته الابداعية, بأسلوب بسيط لا تكلف فيه ولا غموض, وانما تنساب الافكار منه كنهر متدفق.

تعليق واحد