مقالات وآراء

محمد عابد الجابري* : نظرة فاحصة في اشكاليات الفكر العربي بقلم : مأمون شحادة

نقلة فكرية وجرأة نقدية، خاضها العرب بوقفة خطابية، قالها جعفر بن ابي طالب امام النجاشي رغم الرعب والقتل والخوف، لكن التصميم والارادة، وسمو الفكر النقدي وثبوته في تلك الوقفة
موضحا تغيرا فكريا في المجالات الحياتية، والعقائدية، وثورة على المفاهيم السائدة في ذلك العصر وفق نموذج فكري جديد معاصر لوقته، ومراعيا الخصوصية العربية ومغايرا للنماذج الرومانية والفارسية، ليتبين مدى رصانة الفكر العربي انذاك، في مخاطبة ( الانا والاخر ). وبالانتقال من هناك الى هنا مترافقا مع مقولة نقدية قالها المفكر العربي محمد عابد الجابري* : " يشعر الواحد منا نحن المثقفون العرب ان التراث العربي بمضامينه ومشاكله الفكرية في واد، والعصر الحاضر وحاجاته في واد اخر " ، هذا يذكرنا بما قاله علي بن ابي طالب " لا تقسروا اولادكم على اخلاقكم فإنهم خلقوا لزمن غير زمنكم " ، الذي يعني ان القدماء طالبوا بالتغيير ولكننا نحن نقف امامه سدا منيعا، افلا تستدعي تلك المقولات الى تدوين ايبستمولوجي للتراث العربي لمحاكاة الواقع الراهن والى اعادة كتابة التاريخ، وتجاوز اشكالية الاصالة والمعاصرة في الفكر العربي الحديث، من اجل ربط هذا الفكر بالواقع، نعم، هذا ما جعل من محمد عابد الجابري يحمل نظرة نقدية متفحصة تجاه الفكر العربي مبينا الاشكاليات الظاهرية والجوهرية منها ،،، ولكن كيف كانت نظرته تجاه اشكاليات الفكر العربي، وما هي الحلول لحل تلك الاشكاليات ؟، الامر الذي دعى للخوض في كينونة كتابه" اشكاليات الفكر العربي المعاصر"، ومدى نظرته الى تلك الاشكاليات .
نعم، وكما قال الجابري، ان العرب يعيشون ماضيهم قبل حاضرهم، ويعيشون في ذاكرة الماضي اكثر من غرسهم لتطلعات بناء مستقبلهم وتقدم اجيالهم، لقد تصارعت الافكار العربية في مرحلة تاريخية صعبة، تبلورت في خضمها تناقضات خلفتها احداث تاريخية مهمة ومصيرية ساهم في صنعها.. التاريخ العربي الاسلامي، و العامل الاوروبي ( الاستعمار و التحديث ) واللذين شكلا الدور الحقيقي في خلق التأثيرات الفكرية والسياسية المحتدمة لدى العرب منذ مطلع القرن العشرين . الذي ادى الى ظهور مواقف سلفية لاستعادة الماضي، وعصرانية وفق النموذج الغربي، مما ادى الى خروج موقف انتقائي للموافقة بينهما ولكن حتى الانتقائيون اختلفوا فيما بينهم فمنهم السلفي ذو الميول الليبرالي، والليبرالي ذو الميول السلفية، ومنهم الماركسي الاممي ، والماركسي العربي، والقومي الليبرالي، والاشتراكي القومي، والسلفي العروبي، والعروبي العلماني ذوالميول السلفية، والعلماني العروبي ذو الميول الليبرالية، او الماركسية الى غير ذلك من التركيبات " المزجية " المعقدة .
ان الفكر حينما يتم تناوله يجب ان يتناول من الناحية العصرية ( التخطيط المنطقي العقلاني) وليس من الناحية العاطفية (الحلم الهيامي اللاعقلاني)، نعم هذا هو وضع الفكر العربي الحالم بفكره الهيامي اللانقدي ذو الازدواجية الفكرية في بناء مشروعه النهضوي، والذي أدى الى خروج نوعين من المثقفين، مثقف يحلم بتغيير متمدن يساير التطور والتقدم، والاخر صقل نفسه بثقافة مقاومة التدخل الاجنبي المستعمر. فاختزل مشروع النهضة بزوجين من الثقافة طارحا مسألة الهوية حتى يومنا هذا وفق سؤال… ما هويتنا ؟ . والذي طرح عدة اسألة واشكاليات متزاوجة، مثل الاسلام/ والعروبة، الدين / الدولة، الاصالة / المعاصر، الوحدة / التجزئة ، الذي يحتم نقد تلك الاجزاء من خلال ضبط العاطفة وجعلها عقلانية .
ان الفكر العربي والمتصف في تعميم الاشكاليات من الخاص الى العام جعل من هذا الفكر يعيش في ازمة دائمه مزمنة وجعلها مشاكل تاريخية ملازمة لتاريخ الامة العربية، والغاء تحديد مشاكل الحاضر المحدود ضمن حدود مكانية وزمانية. فالاسلام والعروبة، والدين والدولة، والاصالة والمعاصرة، انما تعني اشكاليات وقعت في المشرق العربي وليس في مغربه ، مما يعني انها اشكاليات محلية وخصوصية، وخصوصا في سوريا الكبرى، حيث تشكلت تلك الازواج ( في المشرق ) كردة فعل ضد الحكم العثماني وسياسة التتريك للحفاظ على الكيان العربي لغة وتراثا، وكردة فعل على الاضهاد الديني للاقليات الغير مسلمة باسم الاسلام فيما تشكلت الاخيرة للدعوى الى الاصلاح من خلال محاربة الطرقية والصوفية والشعوذة .
من خلال تلك الازواج المعقدة ظهرت شعارات كثيرة كالمناداة بالقومية العربية، وفصل الدين عن الدولة وشعار العودة الى الاسلام وغيرها، فالدولة القطرية والتي طبقت تلك الشعارات سواء لبست لباسا دينيا او لباسا قوميا فهي دول علمانية في قوانينها وسلوكها وسياستها الداخلية، متناسين ان انبثاق الحكم من ارادة الشعب واختيارهم، مما يعني زيف تلك الشعارات. ولكن فيما يخص "الوحدة / التجزئة"، فانها تشكل ازمة التناقضات العربية في خضم واقع عربي مهترئ، وقعت بها جميع الايديولوجيات العربية في خطأ جسيم عندما اعتبرت " التجزئة " من فعل الاستعمار الاوروبي او الغربي لوحده بسبب نفيها العوامل التاريخية لما كان عليه العرب في اواخر الخلافة العباسية الى قدوم السلطنة العثمانية المبنية على التعدد والمؤسسة عليه، يعني ان الدولة العربية المستقلة هي دولة قديمة وليست وليدة الاستعمار وانما مصلحته تتطلب ذلك لان الوحدة العربية تؤثر على مصالحه، من هنا ارتبطت العقلية العربية بمعادلة الاعجاب والكراهية بالغرب( التقانة والاستعمار) … ولكن يجب التخلص من هذا التعميم ، لانه لا يخدم الفكر القومي ولا القضية القومية، بل على العكس يضع هذه القضية في ازمة دائمه مزمنة وجعلها مشاكل تاريخية ملازمة لتاريخ الامة العربية والغاء تحديد مشاكل الحاضر المحدود ضمن حدود مكانية وزمانية، تجعل من بناء المشروع الحضاري العربي مشروعا لا يخضع للواقع المعاصر.
ان المشروع الحضاري العربي ، الذي لم يتحول الى واقع ملموس، يجب ان يخرج من دائرة العبارات الحالمة ذات المعنى الفارغ متوجها الى دائرة اللغة العلمية، والتي تحتم اعادة بناء التاريخ بصورة فلسفية وليس اعادة بناء الوعي بصورة تاريخية،… ولكن يجب بناء الوعي الذاتي النقدي ذو الخصوصية العربية ، ويجب ان تكون فلسفة التاريخ نابعة من الحاضر ومن حاجة هذا العصر ومدعم من الخلف من اجل تأسيس وتدعيم الوعي المؤدي الى طريق المستقبل، وهذا واضح من خلال الفلسفة التاريخية الخلدونية، فلسفة لـ " التراجع " في التاريخ ، بينما كانت فلسفة التاريخ عند مفكري اوروبا للقرنين الثامن عشر والتارسع عشر، فلسفة لـ " التقدم "، فالجوهر في فلسفة التاريخ انها تقوم على اكتشاف العقل في التاريخ . ومن اجل تدعيم المشروع الحضاري العربي يجب ان نجعل من صورة المستقبل الاتي متممة لصورة المستقبل الماضي، وبالتالي تحويل الحاضر الى جسر يصل بين المستقبلين، يدمج الماضي في الحاضر ويجعل المستقبل ميدانا لتحقيق الماضي، وفق علم مستقبلات خاص بنا.
اذا فالمشروع، مشروع الماضي ومشروع الحاضر، لتحقيق اهداف اساسية وهي الوحدة، والتمدن، والعقلنة، وان التاريخ الاسلامي وعلم المستقبلات ستبقى مجردة ان لم تقوم على تلك الخيارات الاستراتيجية الثلاث وفق استقلال الذات والديمقراطية والتنظيم من اجل بناء المجالات الحياتية للمجتمع العربي وفق روحانية عقلانية وليس روحانية غنوصة مضادة للعقلانية، لكي لا يكون هنالك عجزا للعقل و قفزا على مملكة العقل، والخوض في مجالات اللاعقل.
ان التناقض الوجداني العربي الذي اتخذه العرب من الغرب ما بين ( الانا والاخر ) ، بين الواقع العربي النائم، والمتأخر، المعتدى عليه، المهدد في وجوده المادي وكيانه الروحي، وبين الغرب في موقع المناهض المتقدم، الغازي التوسعي المستعمر، جعل من العرب يعانون من عقبات مادية لانشاء مشروعهم الحضاري مجسدا اشكاليات نقل التقانة اليه من المركز الغربي الذي بدأ يدخل وبسرعة فائقه في عصر الثورة التقانية، جاعلا من المائة سنة التي مضت تنتهي الى ازمة في التطور ما بين الاعجاب والكراهية للغرب، ما يعني ان هنالك عوامل داخلية وخارجية ادت الى زيادة المسافة بين التأخر العربي والتقدم الغربي الصناعي، وليس نقصانها. وهكذا انشغل التقنويون العرب بسد الفجوة الثقافية، التي تفصل حاضر العرب عن حاضر الغرب ومستقبله ليجدوا ان هنالك هوة تقانية، وازمة في نقل التقانة والتقانة الملائمة، وان التنمية العربية لن تتم الا بالوحدة العربية. فاخذ العرب يواجهون حضارة الغرب، القائمة على العلم والتقانة بمعطيات الحضارة الزراعية وقيم البداوة وثقافتها، مبتعدين عن البحث العلمي المؤدي الى التقانة. فالتقاء الحضارة الزراعية في مواجهة الحضارة التقانية( المركز) اصبح الغرب يعطي للعرب ثلاثة اشياء، التقانة المنتهية ( الاستهلاكية)، التخصصات العلمية الهامشية، وهجرة الادمغة اليها، لكي يجعلها تابعة مرتبطة بها، ولكن هنالك تناقض بين مظاهر الحضارة الحديثة كما يعيشونها العرب على مستوى الاستهلاك، وبين مظاهر التخلف كما يعانونها على مستوى الانتاج والسلوك والفكر، والتناقض بين ضرورة الوحدة او على الاقل التكامل والتنسيق على مستوى استرتيجية التنمية والابقاء بشروطها، ومواجهة عراقيلها الداخلية وبين انقسام الوطن العربي الى دول قطرية متنافسة متصادمة تابعة، مما يعني انه لا يجوز ولا يصح وضع قضية النهضة العربية، في هذا الوقت الذي يوجد فيه العالم على عتبة عصر التقانة، على كاهل الغرب وحده واعفاء العرب من كل مسؤولية، كما انه لا يجوز ولا يصح ارجاع المشكل كله الى وضعية العرب وتناقضهم، وبالتالي اعفاء الغرب من كل مسؤولية، ليتضح ان العلاقة بين العرب والغرب حقيقة واقعية لا يجوز اغفالها، او التقليل من شأنها.
ان مواجهة تحديات المستقبل تحتاج الى مواجهة حقيقية واقعية، وشعارات واقعية تراعي فية الواقع العربي في الواقع العالمي من اجل انجاح المشروع العربي النهضوي، كي لا يكون الشعار المرفوع متناقضا مع ارض الواقع، وبعيدا عن الخصوصية العربية ، …. الامر الذي جعل من المشروع القومي العربي ناقصا، لانه يفتقد الى عنصر اساسي، الديمقراطية، لان من دون الديمقراطية، ومن دون التغيير الديمقراطي الحر، لا يمكن احتواء المشاكل التي تهدد هذا المشروع كاشكالية الطائفية، والتعصب الديني، والاقليات، احتواء سليما وصحيحا…. لان الدولة القطرية التي تعتبر امرا واقعيا، اصبحت عبئا على نفسها، لانها اصبحت مهددة في وجودها ليس من الخارج فحسب، وانما من الداخل ايضا، بتفاقم مسألة الامن الغذائي والذي يستدعي الى التكامل والتعاون بين البلدان العربية…. فبدلا من الهروب اللاشعوري من المسؤولية، وانتظار البطل التاريخي او المهدي المنتظر يجب العمل على بلورة نخبة وطنية مثقفة وواعية، تبشر بالتغيير والتخطيط له، وتعمل على استعجال حركته وصيرورته.
ان الفكر العربي الذي بنى على المطلقات، وما تبعها من فكر مأزوم، ولد حالة من الاحباط، جعلته مستسلما للنماذج الغربية، من غير ادارك ان النموذج الغربي قائم على كونه وسيلة للايضاح، وسيلة لاكتشاف الذات وترسيخ الوعي وليس تطبيقه مباشرة في البيئة العربية، لان بذورها لا تلائم التربة العربية وخصوصيتها، ليتبين ان اشكاليات الفكر العربي اشكاليات تحمل رواسب فكرية عميقة ما بين الماضي والحاضر دون النظر الى المستقبل، ليتضح ان تلك الاشكاليات برزت بعودة الثالوث الفكري ( القبيلة، الغنيمة، والعقيدة)، ليجعل حاضرنا مشابها لماضينا، ويجعل عصرنا الايديولوجي النهضوي والقومي وكأنه فترة استثنائية، فاصبحت " القبيلة" محركا علنيا للسياسة، واصبح الاقتصاد ريعيا او شبه ريعي مطبوعا بطابع " الغنيمة"، واصبح الفكر والايديولوجيا " عقيدة " طائفية او شبه طائفية والذي يحتم على نقد هذا الثالوث ( الماضي في الحاضر ) بتحويل القبيلة في مجتمعنا لتنظيم مدني سياسي اجتماعي حديث، وتحويل الغنيمة الى ضريبة، والاقتصاد الاستهلاكي الى اقتصاد انتاجي، وتحويل " العقيدة " الى رأي بدلا من الفكر المذهبي الطائفي و المتعصب الذي يدعي امتلاك الحقيقة .
ومما سبق نستنتج ان الفكر العربي فكرا يواجه الحاضر بالماضي، ليتبين ان العلاقة التي تبلورت بين المجتمع العربي وبين خصائص المجتمعات الغربية في المجالات الحياتية المختلفة هي علاقة تناقض وتبعية، وعدم تكافؤ فيما بينهما تسودها الفوقية و الاستعلائية، مما اوجد "المخيال الثقافي" فيما بينهما جاعلا من عملية التثاقف غير متبادلة، بل من جانب واحد(الاستشراق) حيث ادخل المجتمع العربي في حالة دفاع عن النفس، ولكن عن طريق الفكر الهيامي (بدون الغربنة), وان المجتمع العربي الذي لم يستطع دخول الحداثة زمنيا، والمتناقض مع خصائص المجالات الحياتية للغرب فكيف به يستطيع دخول مرحلة ما بعد الحداثة في ظل حداثته العكسية في الوقت الذي تبحث فيه المجتمعات الغربية عن مجالات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية جديدة، لان تلك المجالات المتقولبة لم تعد تناسبهم في عصر ما بعد الحداثة، ذلك لانه وكما وصفها الطيب تزيني " ما بعد الحداثة تبشر بعصر او بعصور متغيرة او مختلفة اختلافا كليا عن العصور السابقة…. وظهور مجتمعات ما بعد الصناعية " بعكس المجتمع العربي، الذي يتمسك بمجالات ما قبل الحداثة . ومهما تكن خصائص ما بعد الحداثة من "تفكك وتشظي وانشطار وابتلاع" للمجالات الحياتية المتقولبة، فان المجتمع العربي لن يستطيع الدخول فيها الا بطريقة القفز اليها، فيكون بذلك متضاعفا بالتشوه في حين انه لم يستطع ازالة حالة الحداثة المشوهة من قبل, ليتضح انه يجب اعادة هيكلة الفكر العربي ما بين الماضي والحاضر بنظرة واقعية الى واقع المجتمع العربي، ومراعيا خصوصيته العربية من اجل بناء مشروعه الحضاري .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
*محمد عابد الجابري، مفكر وناقد مغربي، حيث يعتبر احد كبار فلاسفة الفكر العربي

المصدر
زهرة سورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى