التصنيفات
تحقيقات

الوطن السورية : قاعدة الاختراق في ثلاث دول أوروبية

مع استمرار انهمارها فوق رؤوسنا، ها هي مشكلة الرسائل الدعائية العابرة من الخارج إلى هواتف المستخدمين عبر شبكة الاتصالات الوطنية العامة، تتحول إلى مرآة تطل من خلالها صورة قطاع الاتصالات السوري بملامحه
المريضة والمتعبة!!.. سبعة أيام على انطلاق هذا الاختراق، ولا شيء سوى العجز سيداً للصفات التي تبدو على محيا هذه المؤسسة الحساسة بعملها!!.. عجز مشوب باستخفاف يتجلى أيما تجل، بهروب المعنيين إلى الأمام، فهذا يبحث عن التنمية في الجزيرة السورية، وذاك يستخدم طقوس الإشارات للدلالة على مسؤولية «آخرين» عن المشكلة؟!.. وحدها الأزمة لم تحظ بمن يوقن أنها باتت مفصلاً تاريخياً في مستقبل المؤسسة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، أو حتى الأمني.

وها هو المجتمع السوري يخضع لباكورة الاختبارات الجدية في هذا الميدان، حيث عبر البعض ممن وردتهم «الاتصالات الدعائية» عن استيائهم الشديد إزاء هذا الخرق الذي أشعرهم، ولأول مرة في سورية، بأنهم قد يكونون عرضة لانتهاك خصوصيتهم دون معرفة المصدر، مستطردين بأن الخصوصية التي كان إحساسهم بـ«منعتها» أبرز الأسباب التي جعلتهم يغفرون لمؤسسة الاتصالات سوء خدماتها.
مستخدمون آخرون، عبروا أيضاً عن تخوفهم من نمط التفاعلية الذي تتصف به هذه الرسائل الدعائية، حيث تطلب ماكينة الاتصال الموجودة على الطرف الآخر من المستخدمين ضغط الرقم (1) لاستكمال المعلومات والشرح حول مضمون الرسالة، ما حدا بالمستخدمين إلى التلميح بضرورة أخذ مسألة استقبال أحد الأطفال لهذا الاتصال بالحسبان، متسائلين حول إذا ما كان ذلك ينطوي على محاسبة من نوع ما قد تفاجئهم بها الجهات المعنية على فواتيرهم مستقبلاً.

المؤسسة: بدأنا معالجة المشكلة
في اتصال هاتفي مع «الوطن»، قالت مصادر المؤسسة: إنها عالجت المشكلة بتبيانها أن موجة الرسائل العابرة لحواجز المؤسسة تأتي من ثلاث دول أوروبية على الأقل، وأن الإدارة السورية تنتظر رد المشغلين العالميين حول الأرقام الحقيقية للمرسلين، وكيفية إيقاف موجة الرسائل؟
المشغلون العالميون بدورهم، سيحيلون الأسئلة إلى الدول الأوروبية الثلاث، ومن ثم سيعيدون الإجابات إلى مؤسسة الاتصالات السورية التي ستتخذ إجراءاتها.
هذا الكلام قيل لـ«الوطن» يوم الخميس الماضي، وطبعاً، وبما أن سورية تدخل في عطلة الجمعة والسبت، تليها أوروبا بعطلة الأحد، فما على المستخدمين في سورية سوى تحمل الازعاجات حتى غد الإثنين «إن شاء الله».

تساؤلات مشروعة
في الحقيقة ثمة تساؤل مشروع حول روتينية رد فعل المؤسسة، وعجزها عن أكثر من تدبيج المراسلة مع المشغلين العالميين، ومن ثم توكيل مهمة «تسنيد خدها إلى يدها» انتظاراً لجوابهم.
فالمشكلة الآن تقتصر على رسائل دعائية، لكن لو كنا في ظروف أخرى كظروف الحرب لا سمح الله، فهل يمكن لمثل هذه الحلول أن تجدي نفعاً مع مواطنين سوريين قد يضطرون لسماع أنباء المعارك من خلال ماكينة اتصال شبيهة بالمستخدمة حالياً في بث الرسائل الدعائية.
وهل يمكن تسمية عقل المؤسسة بالعقل المؤسساتي في الوقت الذي تستكين فيه لحلول خجولة كـ«المراسلات» مع المشغلين العالميين وما يكتنف ذلك من بيروقراطية؟ وماذا لو لم ترد تلك الشركات قبل أسبوعين مثلاً؟ وفي المرات القادمة التي يمكن أن تكون فيها مضامين الرسائل أخطر من ذلك، هل سننتظر المراسلات أم سنبتكر حلولاً محكمة تتماشى مع الانعكاسات الاجتماعية والأمنية التي؟

خسارات
ثمة خسارات متعددة الرؤوس نجمت عن هذا الخرق في شبكة اتصالاتنا.. أولها الخرق الاجتماعي الذي عبر عنه المستخدمون آنفاً، بزيادة تتمثل في انكسار الخطوط الحمراء التي عملنا على رسمها، فتلقي اتصالات من جهات مجهولة قد تكون معادية أمر يمكن له أن يعيد رسم الصورة الذهنية لدى المجتمع حول مدى سخونة الفواصل مع «العدو مثلاً»، كما يمكن للفشل في وضع الحد سريعاً لموجة الرسائل أن يخلق أجواء من عدم الثقة بمتانة قطاع الاتصالات السوري في أعين السوريين، كما سيعتبر –على صعيد غير السوريين- سابقة قد تدفع البعض من الخارج للتفكير في مثل هذه الخيارات في مناسبات أخرى قد تحمل معها أخطاراً ذات أبعاد مختلفة.
على الصعيد الاقتصادي، يجب أن يدفعنا الاختراق الحاصل إلى إعادة وجهة نظرنا بالدفعات المتعددة من تجهيزات إدارة الشبكة التي تم استجرارها بعشرات ملايين الدولارات حتى الآن، في غياب إستراتيجية متينة وواعية تأخذ بالحسبان الأولويات والشمولية.
جوانب أخرى يدركها السوريون ويتحسسونها، وعلى المسؤولين عن قطاع الاتصالات مجاراتهم في ذلك، ذلك أنه من الطبيعي أن نستمع إلى رسائل دعائية على قنوات فضائية ومواقع إنترنت غير سورية، لكنه من غير الطبيعي أن يسخر أحدهم شبكتنا لهذا النوع من الرسائل ونحن موزعون بين اثنين: فئة مكتوفة الأيدي تتقاذف المسؤوليات، وأخرى تبحث عن نصر شخصي في ثنايا افتتاح هنا أو تدشين هناك لشبكة جديدة، متجاهلين أنه في ظل العجز عن حماية ما لدينا، فقد تكون الشبكات الجديدة عرضة هي الأخرى لاختراق رسائل دعائية في المستقبل، وما نفعله ليس سوى «تكبير العراضة». طبعاً ليس الحل في إيقاف التدشين والتوسع، وإنما في إيلاء المشكلة الحالية الأولوية القصوى على الأقل لنقل الإحساس إلى المستخدمين بأنها مشكلة وليست مسألة عليهم الاعتياد عليها.

هل؟!..
الواقع المأساوي الذي فرضه تدفق الرسائل الدعائية والتأخر المذهل في درءه باتا يحتمان على المسؤولين في قطاع الاتصالات السوري تقديم إجابات محددة ومثبتة حول مصادر هذا الإغراق الذي تعرضت له الشبكة السورية، ومازالت، ذلك أن ما حصل ليس بالأمر القليل كما يحاول البعض أن يظهره، وتجاوزه لن يكون ممكنا دون التعرف على مصدره لئلا يعتقد المستخدم السوري بأن شبكته الوطنية سهلة الخرق وغير مضبوطة بالشكل الذي يمنع بعض ضعاف النفوس في الخارج من التفكير امتطائها.