سياسية

الانسحاب من العراق: “بداية النهاية أم نهاية البداية؟”

لم تهتم كل الصحف البريطانية بالتعليق على إعلان انسحاب القوات الأمريكية من العراق كما قد يُتوقع، وهناك من الصحف كالديلي تلجراف والتايمز والإندبندنت أفردتله مجرد تقارير إخبارية، ركنتها في صفحاتها الداخلية.
فقد انكب اهتمام جل الصحف البريطانية على قضايا داخلية من قبيل الضجة التي تسبب فيها مدير رويال بانك أوف سكوتلاند الذي يصر على الحصول على تقاعد بأكثر من 600 ألف جنيه استرليني في السنة بينما يتهم بسوء التدبير وبالتسبب في انهيار قيمة المصرف الذي كان يديره والذي كان الأقوى في بريطانيا.
كما عالجت الصحف كذلك ظاهرة ارتفاع نسبة حمل الفتيات في بريطانيا، والجدل القائم حول مقدمة برامج أطفال في قناة الصغار التابعة لبي بي سي (سيبيبيز) بسبب عاهتها الخلقية.
"معاد من الكلام"
ولعل افتتاحية الجارديان تشرح السبب في فتور اهتمام الصحف البريطانية بإعلان باراك أوباما انسحابا من العراق في غضون عام ونصف.
فمن حيث الشكل لم يأت الرئيس الأمريكي بجديد -حسب الصحيفة- لأن ما أعلن عنه أمس الجمعة كان وعدا قطعه على نفسه إبان الحملة الانتخابية، وقد يكون ساهم بشكل من الأشكال في فوزه.
أما من حيث المضمون فقد لا يكون ارتقى إلى ما كان يتطلع إليه العديد، إذ زيد في مدة الانسحاب الذي لن يكون انسحابا تاما ما دام سيظل بالعراق 50 ألف جندي أمريكي.
وترى الصحيفة أن هذا "التنازل" قد يثير خيبة أمل عدد ممن كانوا يتطلعون إلى قرار واضح يعلن القطيعة مع عهد إدارة بوش.
لكنه -وحسب الصحيفة البريطانية دائما- قد يقابل بتفهم عدد آخر ممن يرون أن إنهاء الحرب دون إحراز نصر بين أصعب من إعلانها، ناهيك عما قد يترتب عنها من انعكاسات خطيرة إذا اتخذ قرار إنهائها بتسرع.
ثم إن المعضلة العراقية -تقول الصحيفة- جزء من كل، ولعلاجها ينبغي حل أزمات أخرى تعج بها المنطقة.
أوباما "يأخذ بزمام الأمور"
وتعتقد الفاينانشال تايمز أن قرار الرئيس الأمريكي ينهي حربا رهنت مستقبل الولايات المتحدة ويضع الكرة في الملعب العراقي في نفس الوقت.
وتقول الصحيفة في هذا الصداد إن سنوات الاحتلال أدت إلى ظهور "مقاومة" مسلحة متنوعة المظاهر، وإلى اندلاع حرب طائفية كما أدت إلى "تصابي" الساسة في العراق و"افتقارهم إلى روح المسؤولية" وذلك باعتمادهم المطلق على العراب الأمريكي في كل صغيرة وكبيرة.
لذا كان من الضروري أن ينتهي كل هذا فلا يزال الكثير مما ينبغي إنجازه، حسب الصحيفة البريطانية.
فانتصار حزب الدعوة بزعامة نوري المالكي في الانتخابات المحلية الأخيرة لا يعني انتصار التيار القومي على التيار الديني.
فالسيطرة الشيعية -تقول الصحيفة- لا يختلف عليها اثنان. الفرق الوحيد هو أن التيار الذي يؤيد المركزية انتصر على التيار الداعي إلى إنشاء كيان شيعي في المنطقة الغنية بالنفط جنوبي العراق.
وهذا يعني -وفقا لتحليل الفاينانشل تايمز- أن المشاكل العويصة ما زالت في انتظار الحل كمسألة الأقلية السنية ومسألة شكل الدولة الذي سيكون عليه العراق ومسألة تقاسم الثروات النفطية.

وتختم الصحيفة افتتاحيتها الأولى بالقول: "لقد آن الأوان أن تنكب هذه القوى المتفرقة على التفكير فيما إذا كانت تريد أن يستمر البلد في الوجود، وفيما إذا كانت راغبة في تضافر جهودها من أجل إعادة بنائه واستعادة 5 ملايين من أبنائه."

"خيانة العهد"
تطرقت الإندبندنت إلى العراق من زاوية محلية فقد تفردت بحديث مع جونسون بيهاري الجندي البريطاني السابق في العراق الذي حصل على عدة أوسمة مكافأة على ما قام به أثناء الخدمة وفي مقدمته إنقاذه لثلاثين من زملائه.
وبالنسبة للصحيفة صار بيهاري رمزا يختزل ما يتعرض له المحاربون السابقون في بلدهم من تهميش وتجاهل ينضاف إلى ما يعانونه من أمراض بدنية وعاهات نفسية.
وتشير الصحيفة البريطانية في افتتاحيتها إلى أن الجمعية الخيرية التي يساندها بيهاري والتي أنشئت لمساعدة الجنود بعد عودتهم من الجبهة عالجت حوالي 90 ألفا منهم أي ما يعادل الجيش البريطاني الحالي.
وتورد الصحيفة إحصائيات أخرى تشير إلى أن ألفين ممن قاموا بخدمتهم العسكرية في العراق يعانون من صدمة ما بعد الحرب.
"وعلى الرغم من كل هذا لم يستعد نظام الخدمات الصحية البريطاني لتتبع مثل هذه الحالات" تقول الافتتاحية.
وتمضي الصحيفة قائلة إن 10 في المئة من نزلاء السجون البريطانية من الجنود السابقين، كما أن 5 في المائة من مشردي لندن هم من قدماء المحاربين.
وترى الصحيفة أن مثل هذا الوضع لن يؤثر على عملية التجنيد وعلى وفاء الجنود البريطانيين وحسب لم تعني أن البريطانيين قد نكثوا العهد الذي يربط المجتمع بجنوده.
"أفضل من المساعدات الإنسانية"
عودة إلى الجارديان التي أفسحت المجال على صفحات منبرها للمدير التنفيذي للصليب الأحمر البريطاني نيك يانج للتعليق على الوضع الإنساني في غزة.
ويرى الكاتب في مقاله أن بذل المساعدات الإنسانية للغزاويين دون إيجاد حل سياسي مضيعة للوقت والجهد.
ويقول: "إن المساعدات الإنسانية شيء ضرور، لكنها غير كافية لحل الأزمة."
ويسوق الكاتب مثالا على ذلك ما قاله له رب أسرة غزاوي: "الإسمنت لوحده، غير كاف. ما الفائدة من إعادة البناء إذا لم نحصل على ضمانات أمن وسلام."
شفافية
في الجارديان كذلك دعوة إلى الحكومة البريطانية وقعها وزير الخارجية في حكومة الظل المحافظة وليام هيج.
موضوع الدعوة هو نشر فقرات من محاضر اعتقال بنيام محمد المواطن الإثيوبي الذي أفرج عنه هذا الأسبوع من معتقل جوانتانامو.
ويقول هيج إن هذه الفقرات هي التي "ستضع الأمور في نصابها" وسـ"ـتنقذ سمعة بريطانيا التي لطختها اتهامات بنيام محمد".
وكان هذا الأخير قد اتهم السلطات البريطانية بالتعاون مع جلاديه بمنحهم معلومات استخباراتية عنه وبإملاء الآسئلة التي ينبغي أن يطرحوها عليه.
وينعت هيج الحكومة الحالية بالتنذبذب وعدم الوضوح مما يزيد من الطين بلة.
فمباشرة بعد بيان بيام محمد رفض وزير الخارجية ديفيد ميليباند نشر تلك الفقرات بدعوى أنها تحتوي على معلومات حساسة قد تضر ببلد صديق، لكنه بعد اندلاع الضجة تراجع قائلا إن لا مانع لديه من الكشف عن الفقرات المذكورة.
ويقول الكاتب إن تنفيذ مثل هذا الوعدة يوجد على مرمى مكالمة هاتفية.