المنوعات

الشباب العرب لماذا ينتحرون؟

أثار إعلان نائب في مجلس الشعب المصري أن 12 ألف شاب قضوا انتحارا خلال السنوات الأربع الماضية بسبب البطالة وحدها ردود فعل متباينة في الشارع المصري
فبينما اعتبر البعض أنهذا الرقم المهول يشكل كارثة وطنية تستحق التوقف والبحث في أسبابها وتداعياتها، استهجن البعض الآخر الإعلان وشكك في الرقم واعتبره إساءة إلى مصر قبل أن يكون هجوما على سياسات الحكومة.

واطلق هذا الإعلان صرخة فزع مدوية مع اشتداد الأزمة المالية العالمية التي يقول خبراء الاقتصاد إن العالم العربي بدأ يعيش أولى إرهاصاتها على أن تشتد وطأتها بعد عامين من الآن، حيث يتوقع أن يزداد حجم الأزمات الاجتماعية بما ينبئ بالأسوأ.

وتكون الأرقام مفزعة أكثر إذا اعتبرنا أن انتحار 12 ألف شاب في أربع سنوات يعني ما معدله انتحار ثمانية شبان في اليوم الواحد، ونحو 248 في الشهر الواحد. ويؤكد خبراء اجتماعيون أن هذا العدد الضخم ربما يكون مبالغا فيه لغاية حزبية لا علاقة لها بالواقع، لكنهم يشددون في المقابل على ضرورة الانتباه لهذا الطاعون الصامت والعمل على الحد من أسبابها حفاظا على الرأسمال البشري.

وكان النائب المستقل الدكتور جمال زهران قال في استجواب قدمه أمام مجلس الشعب أواسط الشهر الماضي إن البطالة سببت انتحار 12 ألف شاب خلال السنوات الأربع الماضية، واتهم الحكومة بالتكتم على النسب الحقيقية للعاطلين عن العمل للتغطية على فشلها.

وطالب زهران بسحب الثقة من الحكومة وإقالتها، وقال إن "هذا التلاعب في الأرقام يأتي في إطار محاولة من الحكومة للتغطية علي فشلها في حل أزمة البطالة"، وأضاف: "الحكومة تعمل لصالح خريجي المدارس والجامعات الأجنبية الذين يحتكرون الوظائف المميزة".

وأكد زهران في الاستجواب الذي تقدم به ضد د. أحمد نظيف رئيس الوزراء ووزراء التجارة والصناعة والقوي العاملة والاستثمار والتنمية الإدارية، أن عام 2005 شهد 1160 حالة انتحار وارتفع عدد الحالات إلى 2355 في 2006، ثم واصل ارتفاعه إلى 3700 حالة في 2007، فيما تضاعف عدد المنتحرين في 2008 لتصبح المحصلة النهائية 12 ألف حالة انتحار غالبيتها بين الشباب بسبب غياب الوظائف- حسب الاستجواب.

وقال النائب إن "الأرقام التي تعلنها الحكومة في بياناتها المختلفة تصر على أن نسبة العاطلين لا تتجاوز 9% بينما يكشف الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء عن نسبة 12%، وكشف صندوق النقد الدولي عن ارتفاع النسبة إلى 18%، فيما أكد البنك الدولي أن النسبة 22%، فيما أشارت منظمة العمل العربية إلى أن النسبة 23% وتوقع النائب أن تكون النسبة نحو 30%.

والانتحار بالمفهوم الشائع هو عبارة عن تفاقم لمزاج اكتئابي شديد يترافق مع رفض تام لبقاء الشخص في واقعه وانعدام أي احتمال للتغيير الإيجابي في نفسه أو في واقعه.

وكان معهد بروكينغز الأميركي قال بداية شباط/فبراير الماضي بأن زيادة أعداد الشباب في مصر في الآونة الأخيرة، تضع ضغوطاً «متزايدة» ليس فقط على النظام التعليمي، وإنما على سوق العمل والإسكان.

وأضاف المعهد في التقرير الذي نشره تحت عنوان «الشرق الأوسط فى أعقاب عصر ازدهار النفط» أنه على الرغم من أن بعض الدول مثل مصر والمغرب والجزائر، «حققت في السنوات الأخيرة انخفاضاً في معدل البطالة»، فإن نسبة البطالة بين الشباب «مازالت أعلى» من نسبتها بين البالغين.

وأشار المعهد إلى أن معدلات البطالة بين الشباب في مصر «انخفضت» عام 2006 إلى 9.16 %مقارنة بـ 26.5 % عام 1998، وقال «على الرغم من هذا التراجع فإن معدلات البطالة بها مازالت «أعلى» من النسب العالمية البالغة 8.3%.

وأضاف التقرير – الذي أعده مدير مبادرة شباب الشرق الأوسط بالمعهد، ناف ديلون – أن البطالة تتركز بين الشباب المتعلم، مشيراً إلى أن 95% من بين 1.6 مليون شاب مصري عاطل، أنهوا المرحلة الثانوية أو حصلوا على مؤهلات عليا، وقال: إن متوسط مدة البطالة بلغ عامين ونصفاً في مصر، و3 سنوات فى إيران والمغرب.

وتتخوف الأوساط الاجتماعية في عدد من البلدان العربية من اتساع ظاهرة الانتحار في صفوف الشباب، أو قد يؤدي ذلك إلى لجوء إلى أساليب أخرى للتخلص من كوابيس تردي الوضع الاجتماعي.

ويقول الخبراء إن البطالة قد تكون هي أمّ الأسباب المؤدية لارتفاع نسبة الذين يقدمون على الانتحار فعلا أو يفكرون فيه، ولكنها ليست الوحيدة وتخفي خلفها طابورا طويلا من الأسباب، وينوهون إلى هذه النهاية المأساوية تهدد حياة كل شرائح المجتمع من الذكور والإناث.

وأواسط الشهر الماضي، كشف مصدر رسمي سوري عن ارتفاع نسبة حالات انتحار النساء في سوريا بشكل ملفت وخاصة في الأحياء الفقيرة حول العاصمة السورية دمشق، وأفاد بأن 55 حالة وردت إلى مستشفى المجتهد في دمشق خلال شهر واحد من بينها 42 امرأة. وذكر المصدر أن الذين قرروا إنهاء حياتهم أقدموا على شرب مبيد للصراصير، أو مادة الكلور، أو مادة دوائية.

وبينت الإحصاءات أن أعمار المنتحرات تتراوح بين 15 و37 سنة، وأن معظمهن يقطن في مناطق شعبية فقيرة حول العاصمة دمشق. ‏

وذكر رئيس قسم الإسعاف، اختصاصي طب طوارئ وسموم في مستشفى دمشق سامر خضر أن «العديد من الحالات تناول أصحابها جرعات زائدة من الأدوية أو المواد الكيميائية أو السموم قصداً، وأغلب الحالات من البالغين».

وأشار الدكتور خضر إلى أن «حالات الانتحار تكثر عند النساء، وأكثرها تكون إما هرباً من عنف أسري، وإما الزواج قسراً، أو من زوج قاس، أو أب سكير».

وتشير الإحصائيات أن نسبة الانتحار في سوريا هي حوالي 6 من كل 100000 شخص تقريباً مع ملاحظة غياب إحصاء عدد مماثل على الأقل من الحالات نتيجة إخفائها لأسباب اجتماعية أو قانونية.

وفيما يرفض الكثير من المسؤولين والأكاديميين إطلاق صفة (الظاهرة) على حوادث الانتحار في البلدان العربية، ويرون أن العوامل الاقتصادية من أهم الأسباب المباشرة التي تؤدي إلى الإقدام على الانتحار، يؤكد مسؤولون أمنيون وأكاديميون آخرون أن عدد حالات الانتحار شهدت تزايداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ويشيرون إلى أن عديد الحالات يقع التكتم عنها غالبا بسبب تردد الكثيرين في الإبلاغ عن مثل هذه الحالات بداعي العيب والخوف من الفضيحة خصوصا ما يتعلق بانتحار الفتيات.

ويشير أحد الباحثين إلى أن تنامي ظاهرة الانتحار في العالم العربي يكاد يكون أحد خصوصيات البلدان ذات النمو السكاني السريع (كما هو الحال مع اليمن ومصر وسوريا) التي يتزايد شبابها على نحو مطرد، ولا يجدون واقعا اقتصاديا يمكنهم من تحقيق طموحاتهم، مما يدفعهم نحو حلول أخرى، قد تكون "الإرهاب" بكل تشكيلاته، فهو في جانب منه انتحار يقتضي النظر في أسبابها الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، حتى يتم الحد من خطورتها دون القضاء عليها لأن ذلك أمر أشبه بالمستحيل، فهي تظل حيث يوجد إنسان ومجتمع.