مقالات وآراء

زميلي الطالب في العصر الحجري

عندما حدثنا الاستاذ في المدرسة ، عن العصر الحجري والانسان في ذلك العصر، كنت احلم يومها كيف يمكن ان يستخدم هذا الانسان ، سكينا من الحجر وان يشعل نارا من احتكاك اعواد خشبية.
وكنت اعتقد ان الانسان في ذلك العصر الحجري اذا اراد ان يبعث اولاده الى مدرسة مثل التي ادرس فيها ، فعليهم ان يسيروا مسافات طويلة قبل الوصول ، نظرا لبعد المسافة ولعدم وجود باصات للنقل وكنت اتخيل زميلي – الطالب في العصر الحجري – كيف سيكتب وظائفه المدرسية بدون اقلام بيك او اقلام رصاص ولا دفتر او كتاب . كما اتخيل ان والدة هذا الزميل (الطالب في العصر الحجري) كيف كانت ستضع له صندويش لاطعامه ، اذ لم يكن لديهم خبز او صمن ولا كانت لديهم افران ولم يكن معروف لديهم الجبنة بأنواعها (من المشللة الى الحلوم ومن الكيري الى البقرة الضاحكة).
ثم اعود الى ارض الواقع حيث ينادي الاستاذ علينا وينبهنا موقظا ايانا من احلامنا الصغيرة .
هذه الفترة الزمنية تعود الى اكثر من خمسة وثلاثين عاما ، حيث كانت احلامنا وتمنياتنا تنحصرفي لباس جديد نلبسه .
وتمر السنون الى عصرنا الحالي حيث الطيارات والسيارات الفارهة ولوحات الاعلانات المضيئة واغاني الواوا (اين منها أغاني ام كلثوم) وغيرها ، ودائما تحن بداخلي ايام المدرسة واعود الى ذلك الزميل في العصر الحجري والذي كنت اتمنى زيارته ليوم واحد لأعرف كيف تسير الحياة لديه . لم اتصور مطلقا ان احلامي ستتحقق واني سأعيش عصرا حجريا في القرن الواحد والعشرين بفضل التخطيط الجيد والاداء الممتاز والمتابعة الحثيثة واللجان المشكلة والمنبثقة لدراسة وتطوير ومتابعة ورشات العمل حول الاداء المتميز لحكومتنا.
استيقظ صباحا وكل شيء بأمان الله، وعندما اريد حلاقة ذقني اسمع صوت سيدة المنزل ، زوجتي المصونة تقول لي ، افتح خزان الماء لان المياه مقطوعة واشكرها على هذا التنبيه ، وافتح لولب مياه الخزان الاحتياطي، وانا اسأل نفسي ، عن مؤسسة المياه والباحثين وكيف تحدثوا في ندوات حول الفائض المائي بعد ان تم تمديد اقنية جديدة لجر المياه ، ستفي بالحاجة المائية للمدينة (حلب مثلا) ولمدة زمنية طويلة ، كنت اعتقد جازما انها ستكفينا حتى يوم الحشر ، ثم اقول بيني وبين نفسي ، ان السبب في قلة المياه هو لاشك غسيل السيارات دون ان تدور في خاطري الاقنية التي تسرب المياه وسرقتها ، وللاطمئنان اكثر على وجود ما يكفي من ماء الشرب ، اعود الى البراد واقوم بتعداد قناني المياه الموجودة.
بعد خروجي من المنزل اقوم بالقاء تحية الصباح على السادة عمال القمامة وانظر الى الحاوية من بعيد والقمامة المحيطة بها والمرمية في الشارع ، نظرا لامتلاء الحاوية ، واستغرب من عدم وجود سيارات نقل قمامة كافية ، وعدم وجود دراسة دقيقة لاحتياجات المدينة من الحاويات وسيارات القمامة. واتذكر مشاهد من التلفزيون حول جمع القمامة ، كنت اعتقد انها في سويسرا نظرا لنظافة الالية والحاوية والعمال مع خوذاتهم الملونة ، الى ان تأكدت ان المشاهد هي في حلب . وان الامر لا يعدو كونه تمثيلا ليراه اولي الامر.
بعد تحية الصباح مع عمال القمامة ، امارس هوايتي في السير، وهذه الهواية تقدم لي تفهما مستمرا حول تطور الشوارع والابنية وانظمة السير والنظافة ، فمن خلال السير والنطوطة (وهي مختلفة عن فعل القفز) على ارصفة مدينتي وتدرج بلاط الرصيف وفق المراحل الزمنية المختلفة ، فمن بلاط الارصفة القديم ذو اللون الرمادي الغامق الى البلاط الحديث نسبيا ذو اللون الرملي الكاشف الى البلاط المرصوف والحديث جدا ، الذي تفتقت به عبقرية مسؤول اسبق (جليل ووقور وذو هيبة) لتتجمل به مدينتنا (مترافقة مع لون الدرابيات الخضر الذي اتحفنا به ايضا ، من مبدأ ان المدينة يجب ان تكون جميلة حتى في الليل) وخوف من زيارة ليلية في شوارع المدينة لشخصية كبيرة . كما استغرب ، كيف نقول عن بلدنا انه بلد نام ، والدليل على تطورنا وغنانا ، ان ارصفتنا مبلطة في حين ان احد اجمل الشوارع في العالم وهو الشانزيليزيه ، ارصفته مثلها مثل بقية الارصفة في المدن التي زرتها – غير مبلطة بل مكسوة بطبقة من الزفت ، حتى انني انحنيت مرة الى الرصيف ولمسته للتأكد من انه غير مبلط حتى اعتقد المارة اني متوعك وانني سأسقط على الرصيف فما كان منهم الا قاموا بسندي.
اما بالنسبة للابنية فمن قال ان الغرب يملك مواطنة وحرية اكثر من مواطن البلدان النامية ، ان بناءا واحدا في حلب يدل على الحرية الاكثر تقدما ، فكل طابق يملك لون مختلف في حجارته او لون نوافذه الى لون غسيله ، حتى ان للمواطن في مدينتي الحق في مخالفة الاشارة الضوئية والوقوف الممنوع وغيرها. علما ان عند كل تقاطع شارع يوجد شرطي مرور وبين الشرطي والشرطي يوجد شرطي ومع ذلك يحق للمواطن ان يخالف من يشاء ولا يحق لبعض هؤلاء الشرطة المساكين الذين يرفضون حتى ان يأخذوا اجازاتهم السنوية او ان يغيبوا ، واحيانا يداوموا اكثر مما هو مطلوب منهم ، اقول لا يحق لهم إلا الترحيب بالمواطنين والسلام والاطمئنان على صحة ابائهم وشكرهم على ما تيسر…
اصل المكتب وقبل صعودي اليه يقول لي بعض اصحاب المحلات ان الكهرباء سيتم قطعها بعد دقائق ولا لزوم لتتعب حالك يا استاذ بالصعود فانك لن تستطيع العمل وخاصة ان الدراسات الهندسية المتطورة اصبحت على الحاسوب ، دراسة ورسما والحاسوب يعمل على الكهرباء والكهرباء من العصور المتطورة ونحن نعود الى العصر الحجري . اضافة الى الانترنيت الذي يجب أن نشكر الحمام الزاجل على سرعة نقل المعلومات اكثر منه ، حتى انني ساقوم بجلب حمام زاجل واضعه فوق جهاز الحاسب ، وذلك من مبدأ الاحتياط الواجب .
في قصص الف ليلة وليلة تختتم شهرزاد القصة بقولها " وسكتت عن الكلام المباح " واظن يا زميلي في العصور الحجرية ، أننا يجب أن نعود اليك لنتعلم حضارتكم وكيف تتعاملون معها ، ولأجل ذلك توجد في اغلب الحكومات الغربية وزارة للاندماج يعملون بها على تسهيل تأقلم المهاجر الى بلدانهم مع مجتمعاتهم المتطورة ، ونظرا الى اننا سننتقل الى العصور القديمة فارجوا ان يتم لحظ وزارة للتأقلم مع العصر الحجري ، وبما انني املك احلاما سابقة وخيالات حول كيفية العيش في ذلك العصر. فانا مطمئن انني سأكون من المحظوظين باستلام القفة الوزارية (بدلا من الحقيبة)
اللهم اشهد اني بلغت

بواسطة
باسل قس نصر الله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى