مقالات وآراء

لماذا تفاوض سورية إسرائيل؟

اختتمت في أنقرة الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل بوساطة تركية تتولى نقل الأفكار والمقترحات بين الطرفين دون حدوث أي لقاء مباشر بينهما،
وهو ما اشترطته سورية التي أصرت على عدم حدوث لقاءات على أي مستوى قبل حدوث تقدّم جدّي وملموس في مفاوضات السلام غير المباشرة، وهو ما ينسجم مع العقيدة السورية في التفاوض التي ترفض منح الطرف الآخر أي «مكافأة مجانية» ومهما كانت بسيطة ما دام لم يظهر جديته وحسن نيته بصورة عملية من خلال التفاوض وذلك بقبوله لمقتضيات السلام ومتطلباته، ولعلنا نذكر أنه أثناء مفاوضات شيبرزتاون التي تمت بين الجانبين في العام 2000 بوساطة أميركية أصر الوفد السوري على عدم مصافحة أعضاء الوفد الإسرائيلي وأن يفصل جناح فريق السلام الأميركي بين جناحي الوفدين في فندق الإقامة المشترك إضافة إلى إعداد طاولات طعام منفردة خاصة بالوفد السوري وكذلك تخصيصه بمصاعد خاصة به لا يستعملها الإسرائيليون ولا يقتربون منها تجنباً للاختلاط بين أعضاء الوفدين.

ويعكس هذا المنطق السوري إدراكاً عميقاً للعقلية الإسرائيلية التي تريد استغلال أي منبر متاح لتحقيق خطوات تطبيعية مجانية تكتسبها دون أن تقدم أي شيء بالمقابل. فلا مبرر لأي خطوات إنسانية مع طرف يتعامل معك بصورة لا إنسانية طوال عقود وحتى الآن من خلال احتلال أرضك وتهجير شعبك وقتل أسراك بدم بارد وبصورة بطيئة في سجون الاحتلال كما يحدث الآن مع أسرى الجولان المحتل.
وبالعودة لمفاوضات أنقرة غير المباشرة فقد طرحت تساؤلات عديدة عند إعلانها عن سبب قبول سورية استئناف هذه المفاوضات في ظل بيئة محلية إسرائيلية وإقليمية ودولية لا تشجع على السلام ولا ترحب به ولا تتمناه!!! فإسرائيل تعاني من حالة انقسام سياسي حاد ضمن الحكومة الإسرائيلية ذاتها وضمن جناحيها حزبي العمل وكاديما إضافة إلى الانقسام داخل حزب كاديما ذاته وسعي أكثر من شخصية للاستيلاء على منصب رئيس الوزراء وعزل أيهود أولمرت الملاحق بتهم الفساد فضلاً عن رفض أحزاب المعارضة للسلام مع سورية وعدم تقبل الشارع الإسرائيلي لمبدأ الانسحاب من الجولان وفق ما تشير له استطلاعات الرأي المتعددة طوال الفترة الماضية.
ولا تقتصر البيئة الرافضة للسلام على المجتمع الإسرائيلي وحده فهناك أطراف إقليميون تخوفوا من نجاح سورية في فك العزلة التي شاركوا فيها بحرارة، وبعضهم انزعج من تهميش دوره وعدم اطلاعه على ما يجري فسعى للعرقلة وتحريض الطرف الأميركي المتأهب دوماً لمعاقبة سورية بسبب إفشالها لمشاريعه في فلسطين والعراق ولبنان!! وفي ظل كل هذه الأجواء السلبية وغير المهيأة لطروحات السلام يبدو من المستغرب، برأي البعض، أن توافق سورية على استئناف المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي.
فلماذا قبلت سورية بهذا؟ وهل هي متفائلة حقاً بإمكانية تحقق السلام في ظل الأجواء السائدة حالياً؟
طبعاً يدرك صانع القرار السوري كل هذه العراقيل والأجواء السلبية المعرقلة للسلام ويدرك أيضاً ما هو غير معلن وقد يكون أخطر منها بكثير!! لكن سورية الداعية دوماً وطوال السنوات الماضية لاستنئاف عملية السلام لا يمكن أن ترفض أي طروحات يمكن أن تتوج باسترداد أراضيها المحتلة ومهما كانت نسبة الأمل في تحقيق هذا الهدف عن طريق المفاوضات الحالية كبيرة أو صغيرة.
فلا يمكن أبداً أن ترفض دعوة متضمنة تعهداً مسبقاً بقبول الانسحاب، لقناعتك أن الطرف الآخر غير مهيأ وغير قادر على صنع السلام، لأن هذا سيعطي وقتها للطرف الأخر الذريعة والحجة لاستمرار احتلال أرضك ما دمت رفضت عروض السلام الهادفة إلى رد هذه الأرض وتحريرها. وهذا ما سبق لسورية أن قامت به عندما اشتركت في مؤتمر أنابوليس فرغم القناعة السورية بعدم وجود رغبة أميركيةـ إسرائيلية لطرح موضوع الجولان بصورة جدّية في هذا المؤتمر إلا أن الغياب كان يعني تغييب هذه القضية وتحميلنا، نحن، مسؤولية هذا التهميش تحت ذريعة عدم التعاطي الإيجابي مع ما هو مطروح.. ففي السياسية قد تسير في طريق تدرك أنه لن يقودك لشيء بنسبة كبيرة لكن منطق السياسة واعتباراتها اللامنطقية أحياناً وحسابات الربح والخسارة تدفعك للسير فيه بقناعة. وعلينا ألا نتجاهل أيضاً أن الإبحار بقناة أنقرة إنما يعكس أيضاً تقديراً سورية عالياً للدور التركي وثقةً مطلقة به ورغبة أكيدة بمنحه الفرصة كاملةً على أمل أن ينجح بما أخفق فيه الآخرون.
وبالمحصلة فإن سورية لن تخسر شيئاً من كل ما يجري فإن نجحت المفاوضات الحالية برد الأراضي السورية الُمحتلة كاملةً فإن هذا مكسب سيباركه الجميع، وإن فشلت فلا خسائر أيضاً لأن سورية لم تقدّم أي تنازل عن الحقوق ولا أي خطوات تطبيعية مجانية وهي تفاوض تحت مظلة المبادرة العربية للسلام وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.. بل إن المكاسب السورية ستكون قائمة أيضاً ومنها أنها قد حصلت على تعهد إسرائيلي جديد بالانسحاب من كامل هضبة الجولان ليضاف بذلك إلى التعهدات السابقة الصادرة عن العديد من الحكومات الإسرائيلية في السنوات الماضية وهو الأمر الذي سيكون له دور كبير في أي مفاوضات سلام مستقبلية، إضافة إلى أن سورية تكون قد نجحت بامتياز في إدارة هذه الأشهر الأكثر خطورة خلال ولايتي الرئيس بوش الراغب في حفظ ماء وجه إدارته قبل رحيله ولو بمعاقبة لسورية انتقاماً منها لإفشالها مشاريعه الشخصية الهادفة إلى تمكين الاحتلال الأميركي للعراق والإسرائيلي لفلسطين والقضاء على خيار المقاومة في لبنان ولعلنا نذكر أن المسؤولين الأميركيين كانوا قد تنبؤوا منذ الخريف الماضي بصيف ساخن في منطقتنا!!! وبالتالي فإن نجحت أجواء أنقرة اللطيفة بتبريد الجموح الأميركي الساعي لإشعال منطقتنا بحرائق وحروب جديدة فإن هذا يعد أيضاً مكسباً هاماً لم يغب عن ذهن صانع القرار السوري.