تحقيقات

إما زوجك.. أو عملك…. خياران أحلاهما مرّ..

رغم التطور الذي نشهده في كافة المجالات, وتساوي المرأة مع الرجل في المناصب والوظائف التي تشغلها, مازال بعض الأزواج يرون أن دور المرأة في المنزل أهم من أن تشغل وظيفة ما.
لذلك يعمد بعضهم إلى إجبار زوجاتهم بترك العمل خارج المنزل من دون منحهنّ الفرصة لمناقشة هذا القرار الذي قد لا يكون ناتجاً عن أسباب مقنعة, أو قد يكون سببه غيرة الزوج من نجاح زوجته ورغبته في فرض سيطرته على الوضع بحجة تمسّكه بالعادات والتقاليد التي ورثها عن آبائه, والتي لا تسمح للمرأة بممارسة حقها في العمل خارج المنزل أو حتى بإكمال دراستها..
وفي هذه الحالة, تجد المرأة نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما زوجها وبيتها, أو عملها..
فماذا ستختار؟ وهل هي مرغمة على الاختيار؟؟

تهديد و وعيد..
لم تصدق إيمان /موظفة/ ما حصل لحظة كانت تهم بمغادرة منزلها لتذهب إلى عملها اليومي كالعادة, عندما اكتشفت أن زوجها قد غير قفل الباب ليمنعها من الخروج من المنزل، لم يعد المفتاح الذي في حوزتها نافعاً.. وها هو الزوج الذي سبق أن هددها بحبسها داخل المنزل ينفذ تهديده و وعيده..
وتكشف إيمان في سياق حديثها عن تفاصيل وخلفيات ودوافع ما جرى بينها وبين زوجها: ( لم يكن نقاشاً هادئاً في تلك الليلة, حيث وصلنا إلى طريق مسدود عندما أصر على رأيه بعدم عودتي إلى العمل مرة أخرى متذرعاً بعدم حاجته إلى راتبي, ومشدداً على ضرورة إشرافي على أولادي بنفسي بدلاً من المربية).
وأكملت حديثها قائلة: ( عندما خيرني زوجي بين الاستمرار بالعمل أو الاستقالة والعيش تحت رحمته.. اخترت الرحيل حيث أخذت أولادي وعدت إلى منزل أهلي لأنني لم أكن أرغب بترك العمل).

الغيرة..
تشير سلوى /طبيبة/ من خلال حديثها إلى أن إرضاء الأزواج غاية مستحيلة, وتقول: ( أعمل مع زوجي في المستشفى نفسه, لكنه لم يعد يحتمل نجاحاتي المتواصلة, حيث بدأت أشعر بأنه يغار من رسائل الشكر التي ترد إلى بريدي من المرضى وبدأ يختلق بعض المشكلات التافهة ليجعلني أشعر بأنني مقصرة تجاه بيتي وأولادي ).
وتضيف: (منذ فترة مرض ابني الصغير فطلب مني زوجي أخذ إجازة طويلة للبقاء بجانبه حتى يشفى.. ولكن في ذلك الوقت كنت مضطرة لإجراء عملية لأحد المرضى حيث كان بحالة حرجة, وعندما أخبرت زوجي بذلك صرخ بوجهي قائلاً: " اسمعي يا مدام.. إما أنا وإما المستشفى والمرضى.."
هنا حرت في أمري لأنني لا أستطيع ترك عملي كطبيبة الذي قضيت من أجله أكثر من عشر سنوات من الدراسة.. وأيضاً لا أستطيع ترك أولادي ومنزلي وأرحل)..
من جهته يتحدث السيد محمد حسن /موظف/ عن غيرة بعض الأزواج من نجاح زوجاتهم لافتاً إلى أن هذه الغيرة قد تصل في بعض الأحيان إلى حدّ يدفع الزوج إلى إرغام زوجته على ترك العمل, ويقول: (من المعروف عن الرجل الشرقي أنه لا يقبل أن تحتل المرأة الصدارة حتى ولو كانت زوجته التي تساعده في تحمل أعباء الحياة)..
ويؤكد السيد محمد على أن الزوج المحب هو الذي يفرح لنجاح زوجته خصوصاً إذا كان يقف خلف هذا النجاح ويدعمه, أما الزوج الذي يغار من نجاحها فهو بلا شك ينظر إلى الحياة بمنظار ضيق وأفق ضيق لا تنتج عنه سوى المشكلات العائلية التي غالباً ما تنتهي بالطلاق.

غياب الأم..
هل صحيح أن سبب تهديد معظم الرجال زوجاتهم بعبارة "إما أنا وإما شغلك" ينبع من رغبتهم في جعلهنّ يتفرغن للبيت والأبناء؟ أم هو نتيجة غيرتهم من نجاح المرأة وتفوقها في عملها, وإمعاناً في فرض رأيهم عليهنّ من منطلق أن الرجال وحدهم يصنعون القرار..؟؟
في هذا السياق يلفت حسن عبد الكريم /طالب حقوق/ إلى أنه لا يعتقد بأن الرجل الذي يتفهم ظروف منزله وظروف الحياة الصعبة يضع شرطاً قاسياً كهذا.. ويضيف قائلاً: ( في أغلب الأحوال يكون السبب الأساسي نابعاً من رغبة الزوج في تفرغ زوجته للعناية بأبنائها سواء أكانوا صغاراً وبحاجة للعناية أم كباراً وبحاجة لمن يرشدهم.. خصوصاً إذا كان عملها مسألة ثانوية وليس أساسياً)..
أما السيدة فاطمة أحمد /مرشدة تربوية/ تشدد على ضرورة مناقشة سلبيات وإيجابيات عمل الزوجة في جو ودّي, وتقول: ( قد تكون للزوج أسباب مقنعة كالتأثير المعنوي الذي يخلفه غياب الأم لساعات طويلة عن أبنائها, خصوصاً إذا صادف وجودهم في بيئة غير سليمة أو إذا كانت المربية هي التي تعتني بالأبناء)..
وفي السياق ذاته تقول الآنسة نورا علي /طالبة هندسة/ : (هناك نوعان من الأزواج منهم من ليس بحاجة إلى عمل زوجته لأنه ميسور الحال, ومنهم من يرى أن عمل زوجته يؤدي إلى حدوث الكثير من المشكلات بسبب غيرته عليها, أو بسبب عدم شعوره بالراحة من طبيعة عملها).. وتضيف قائلة: ( ما دام العمل من حق الزوجة فلا بد من التفاهم حول هذا الموضوع من منطلق المصلحة العامة لكي يصل الزوجان في النهاية إلى نتائج إيجابية ترضي الطرفين)..

حب السيطرة وفرض الرأي..
تقول السيدة شيرين عبد الرحمن /باحثة اجتماعية/ : (هناك سببان أساسيان يدفعان الزوج إلى تلك الخطوة, يأتي في طليعتهما حب السيطرة وذلك من خلال محاولة فرض الرأي عليها من دون سبب مقنع, خصوصاً إذا كانت ذات شخصية قوية أو تعمل في وظيفة مرموقة ومهمة)..
تضيف قائلة: (مما لا شك فيه أن الدخل الثابت للزوجة يحرم بعض الأزواج من الشعور بالأمان.. الأمر الذي يجعله يفضل بقاءها في البيت لتكون في حاجة ماسة إليه, وبهذه الطريقة يتمكن من فرض سيطرته عليها مدى الحياة)..
كما تؤكد السيدة شيرين أن مثل هذه التهديدات قد انتهت ولا مجال لعودتها ما دامت الزوجة العاملة لم تقصر في أعمالها داخل المنزل تجاه زوجها وأولادها.. والدليل على ذلك أن أغلب المقدمين على الزواج أصبحوا يفضلون المرأة العاملة)..
أما السيدة ميساء حسين تقول: (ربما طُرح هذا الموضوع في الوقت الذي أصبح فيها أغلب الرجال يبحثون عن الزوجة العاملة, لا سيما في ظل الظروف الحالية وما يعانيه الناس من أزمات مادية.. ولكن لا يمكننا القول أنه لا يوجد رجال يمنعون زوجاتهم من العمل بدافع جعلهن تحت رحمتهم مهما كانت الظروف الاقتصادية للأسرة).

دور حيوي ومهم..
يؤكد الدكتور علي علي /جامعة تشرين/ أن دور المرأة تجاه بيتها وأسرتها لا يقل أهمية عن دورها في العمل خارجه.. لافتاً أنه حينما تنجح المرأة في التوفيق بين بيتها وعملها فليس هناك ما يدعو إلى وضعها بين خيارين لا ثالث لهما.. وهناك العديد من الدراسات التي لا تزال تبحث في موضوع عمل المرأة وأثره في الاستقرار الأسري, لا سيما أن دور المرأة أصبح في هذا العصر مهماً وحيوياً في دفع عجلة التنمية بأشكالها واتجاهاتها كافة, كما أن المرأة أصبحت تحضر وتشارك في معظم المؤتمرات الدولية وتشغل وظائف هامة)..

الأمومة وظيفة أساسية..
لا يختلف رأي الدين عن الآراء التي ترفض ذهاب الزوجة إلى العمل خصوصاً إذا كان هذا العمل يتعارض مع وظيفتها كزوجة أو أم.. وهذا ما تؤكده الباحثة إيمان فضل الله التي تقول: (لقد اتفق الفقهاء على أن وظيفة المرأة الأساسية هي الأمومة وتلبية رغبات الزوج والأبناء من أجل بناء أسرة صالحة ومستقرة.. ولكن على الرغم من ذلك لم يحرم الإسلام عمل المرأة وذلك بناء على قوله تعالى:" ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن"..).
لنا كلمة..
لا يمكن منع المرأة من ممارسة حقها في العمل والتساوي مع الرجل في شغل المناصب كافة.. وكما يقال المرأة هي نصف المجتمع وهي التي تلد وتربي النصف الآخر..

بواسطة
المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى