المنوعات

الصيدلاني .. شهادة وخبرة أم سمان مثقف

ربما تذكرنا أم جورج الخارجة لتوها من صيدلية في منطقة الدويلعة وبيدها مسحوق غسيل وشامبو للسجاد، بالصيدلاني الذي تقمص دوره الفنان ياسر العظمة في السلسلة التلفزيونية مرايا،
عندما أجاب مريضاً يعاني من صداع شديد: (شوف جاري السمان، عندو دوا وجع راس) بعد أن ضاقت رفوف صيدليته بمساحيق التجميل وألعاب الأطفال والمنظفات، مع براد للمثلجات أمام باب الصيدلية التي تحولت إلى بقالية، رضي صاحبها مرغماً بلقب سمان مثقف.
تقول الصيدلانية (فريال): (العتب يقع على الصيادلة، غرتهم الوصفات النقابية المخصصة للعمال بقطاعات معينة، فغلبوا المنفعة المادية على حساب واجب الصيدلاني بصرف الدواء للمرضى).
وأم جورج التي اعتادت على صرف وصفتها الدوائية كل شهر، بحاجيات المنزل ومستلزمات الأطفال، حتى أن الصيدلاني الذي اتفقت معه على المبادلة لم ينس أنها ككل امرأة تدخل هذه الصيدلية تغريها مساحيق التجميل للعناية بنفسها، فلا يمكنها إلا أن تكون مشدودة بكلمته: (كلو طبي مدام) رغم معرفتها السابقة أن هذه المستحضرات نفسها تباع في محلات التجميل وربما بسعر أقل.
وكانت نقابة الصيادلة قد نبهت مراراً وتكراراً الصيادلة فيما يتعلق بصرف الوصفات إلى ضرورة التزامهم بصرف الأدوية فقط وعدم صرف أغذية الأطفال ومواد التجميل ومعاجين الأسنان غير الطبية.
شهادات للإيجار:
(هذه المهنة الراقية، لم تعد تحتاج إلى خبرة صيدلانية، فرأسمالها حفظ أسماء الأدوية واستطباباتها) يقول أنس الذي وضع شهادة هندسة الكمبيوتر جانباً، ليتفرغ للبيع في صيدلية بالمزة وبمرتب شهري 12000 ل.س.
أما داود الصيدلاني منذ أكثر من عشر سنوات، فأكثر ما يثيره في المتطفلين على المهنة، كلمة (بياع إفرنجي) التي خرجوا بها لتبرير تعديهم على مهنة طبية وحساسة في الوقت ذاته (فالتعامل مع الدواء ليس بالاسم فقط وإنما بالمضاعفات والاختلاطات، والمرضى مسؤولون من الصيدلاني بما لا يقل عن الطبيب)
وما يحدث على أرض الواقع أن بعض الصيادلة لا يمانع في تهميش سنوات الدراسة الست وإيجار شهاداتهم المعادلة لشهادة الطب، إما لزملائهم من المبتدئين الذين لا طاقة لهم بفتح صيدليات، أو في حالات كثيرة لأشخاص لا علاقة لهم بالمهنة لا من قريب ولا من بعيد، وهو ما يصر (فادي) خريج معهد كهرباء سابقاً وصيدلاني بالممارسة لاحقاً، على تسميته بالاستثمار، فبنظره (يحق للصيدلاني أن يؤجر شهادته لأن بيع الدواء لم يعد يليق بحامل الشهادات وصاحب الخبرات).
وكان آخر سعر قد رست عليه سوق إيجار شهادات الصيادلة 8000 ل.س لشهادة الريف، فالعرف القانوني يفرض على الصيدلاني خدمة الريف خمس سنوات قبل أن يحق له مزاولة المهنة في المدينة، ليرتفع بذلك سعر الشهادة إلى 10000 ل.س، ويؤكد الصيدلاني داود: (لولا شرط وزير الصحة الصادر في العام 2005 بوجوب تسمية الصيدليات بأسماء أصحابها، لما تردد المستأجرون من التجار بمصادرة اسم الصيدلاني وتذييل لافتات الصيدليات بأسمائهم أو ربما أسماء أولادهم).

المهدئات… يوميات صيدلاني:
في العام 2007 قامت لجنة من وزارة الصحة بإغلاق 51 صيدلية لمخالفات متعددة منها عدم تواجد الصيدلاني، وإعطاء الأدوية المهدئة، فالممارس للمهنة من غير الصيادلة سيقع ضحية الحلقة المفقودة فيما يتعلق بخبرته في تركيب الدواء، فيما لو زارته اللجان المسؤولة عن كشف عدم التزام الصيادلة بإدارة صيدلياتهم بأنفسهم، أما بالنسبة للأدوية المهدئة، فلم تزل الإشكالية الأهم في عالم الصيادلة المهني، بين من يرفض صرفها بالمطلق ومن يصرف المهدئات لمجرد وجود وصفة طبية وإن كانت مزورة أو مبرطلة، تقول الصيدلانية ريما: (صرف المهدئات مسألة ضميرية بالدرجة الأولى، ولذا أحقق مع كل مريض يطلبها، وغالباً أكتشف أنه اشترى الوصفة من الطبيب بـ 75 ل.س).
ويتوجب على الصيدلاني بهذه الحالة الاحتفاظ بالوصفة لأنه مطالب بذلك من وزارة الصحة لكي لا يعاد صرفها بشكل عشوائي، أما الصيدلانية أمل، وبعد مهاجمتها ليلاً في الصيدلية من قبل مريض نفسي، لرفضها صرف الوصفة الطبية المزيفة، تنوي التقيد بقرار نقابة الصيادلة وتركيب كاميرا مراقبة ستؤمنها النقابة بالتقسيط الشهري تماماً كما أمنت المكيفات الإلزامية، ولتفادي وقوع مشاجرات بين المدمنين والصيادلة دعت النقابة الصيادلة الحاصلين على الخفارة الليلية إلى إغلاق باب المنشأة الصيدلانية بعد الواحدة ليلاً والبيع من خلال نافذة صغيرة، غير أن الغالبية لم تلتزم.
وغالباً ما يلجأ بعض المرضى لشكاوى كيدية هدفها التشفي من الصيادلة الرافضين صرف المهدئات، ويعترف المريض (ل) المدمن على المهدئات بتقديمه شكاوى مشابهة للنقابة، ادعى فيها بأن أحد الصيادلة صرف له مهدئات بدون وصفة) بعد أن هدده (وراك وراك إلى أن يتم توقيفك).

الدواء وهمومه:
(لم أعد أقرض الدواء للجيران، بعد أن قل المربح عما كان عليه في السابق عندما كان عدد الصيادلة أقل والضغط على المناوبات أخف) تقول الصيدلانية أمل، علماً أن النقابة عمدت إلى تخفيض الرسوم السنوية من 15000 ل.س إلى 4000 ل.س بعد افتتاح الصيدلية المركزية، في حين ارتفعت إعانة الوفاة إلى مليون ل.س
ولكن حتى الآن لا تعتبر مهنة الصيدلاني طبية فيما يتعلق بالقروض، تؤكد الصيدلانية هبة: (توجب علينا تسديد قرض التأسيس 600000 ل.س على مدار سنة واحدة، وهذه خسارة ليس بالسهل تعويضها).
وفواتير الكهرباء التي يدفعها الصيدلاني أربعة أضعاف.

أعط الخباز خبزه:
ترتيب الصيدلية أذواق، إما حسب التأثير الدوائي أو حسب الشركات، كما ويلعب موقع الصيدلية دوراً جوهرياً في الربح ونوعية الدواء، خاصةً وأن هناك ما نسبته 15 % من الأدوية يذهب هدراً لتجاوزه فترة السبات، يتحمل الصيدلاني خسارتها فيما لو رفضت شركات الأدوية استردادها، دون أن يحق له المطالبة بذلك.
ورغم أن الصيدلانية فريال تشخص حالات بعض المرضى الذين لا طاقة لهم على معاينة الطبيب وتصرف لهم الدواء بما لا يتجاوز خبرتها، إلا أنها لم تعتد على تطبيق ذلك على أولادها، وإنما تسارع على عيادات الطبيب (أعط الخباز خبزه، الطبيب للمعاينة والصيدلاني للدواء).