سياسية

لعبة تبادل التهم بين الكنيست والحكومة الإسرائيلية

يحاول رئيس وزراء الكيان الصهيوني (إيهود أولمرت) أن يوهم الآخرين بأنه يؤمن إيماناً لا تشوبه شائبة من شك أنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له, وأنّ العودة عن الخطأ فضيلة,
ربما تصلح هذه المقولة لتكون طرفة يدخل مخترعها موسوعة (غينيس) للأرقام القياسية كونها قادرة إذا خرجت إلى الملأ على إضحاك وإدهاش أكبر عدد من الناس الذين سيستمعون إليها وهم في حالة من الذهول. هي كذلك صالحة لتكون طرفة, لكن من يصدق أنها كانت حادثة وقعت فعلاً وكان للكنيست (شرف) احتضانها.‏

رئيس الوزراء المهزوم الذي يغار من خلو صدره من الأوسمة والنياشين وهو الذي لم يعجن بغبار الحروب, ويدخل إلى الكنيست محاولاً إقناع خصومه ومؤيديه أنّ حجم الهزيمة التي لقيها الجيش الإسرائيلي خلال عدوان تموز عام 2006 على لبنان لم تكن بهذا الحجم الذي يتصورونه كبراً وضخامة. لم تكن مريرة إلى هذا الحد, ومن يدري فقد يكون (أولمرت) قد حمل بعض مساعديه قبل دخوله القاعة للدفاع عن نفسه أكياساً من السكر وطلب من مستمعيه وضع القليل منه فوق الهزيمة فلا تبدو مريرة, بحيث يصبح شربها أو تقبل احتسائها ضرباً من المحال, أو عقاباً جماعياً لا يطاق. ولكن من قال إن السياسي (الهمام) لم يكن متحلياً برباطة الجأش محتفظاً بأعصاب أخرجها للتوّ من الثلاجة عندما تقدم لقراءة بيانه حول العدوان?! ألم يعلن (بجرأة نادرة) أنه يتحمل المسؤولية كاملة عن كل ما وقع خلال العدوان من أخطاء كبيرة وصغيرة?!.‏

اليوم يعلن أنه يتحمل المسؤولية, وإلى وقت قريب كان يصبّ جام غضبه على الضباط والجنود الذين فروا من ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية البطلة, تلك المقاومة التي لقنتهم ولقنت (معلمهم) دروساً سيذكرها الإسرائيليون لأجيال وأجيال.‏

كان على (أولمرت) أن يدرك قبل أن يعطي أوامره بشنّ العدوان, أنه سيكون في مواجهة تلك اللحظة البائسة التي وجد نفسه فيها وجهاً لوجه أمام الكنيست الإسرائيلي.‏

أما ما الذي جعله ينسى أهوال تلك اللحظة, فالسؤال ليس من الصعوبة بمكان للتخبط في العثور على جوابه.‏

هو الآن مضطر لإجراء محاسبة قاسية لذاته, قاسية قسوة تقرير فينوغراد الذي لم يشفق على مشاعر (أولمرت) الرقيقة التي تنوء بحمل تقرير قاس إلى هذا الحدّ! تبدأ المحاسبة من اللحظة التي حدثته فيها نفسه أن التاريخ هيّأ له الباب المناسب المفتوح على مصراعيه ليدخله من الزاوية الواسعة, وكل ما هو مطلوب منه ليتوج في نظر أبناء جلدته بطلا تاريخياً لا يفارق الغار هامته, القضاء على المقاومة الوطنية اللبنانية.‏

قلب (أولمرت) الأمر على وجوهه عندما وثبت هذه الفكرة الشيطانية إلى رأسه, وقاده غروره إلى الاعتقاد أنّ موضوع القضاء على المقاومة اللبنانية لا يستغرق إلا سويعات وفي أسوأ الأحوال قد يمتد يوماً أو يومين, وبعدها يجلس القائد الظافر المكلل بالغار في مكتبه يتلقى التهاني من المعجبين بإنجازه التاريخي!.‏

لكنّ الريح لم تجر رخاء كما اشتهت سفن (أولمرت) لأن المقاومة فجرتها إعصاراً زلزل الأرض تحت قديمه, فرأى جنوده يذرفون دموع الخوف والانكسار لا دموع النصر والفرح. لكن المحاسبة التي أجراها مع الذات لم تمنعه من التنصل جزئياً من المسؤولية, فقد أشار في بيانه إلى أنّ جميع أعضاء حكومته شاركوا في صياغة قرار الحرب, هذا القرار الذي تم بدعم من جميع أعضاء الكنيست.‏

أين هو تحمل المسؤولية كاملة إذا أيها (السياسي الجريء) صاحب القدرة على تحمل الشدائد واقتحام الأهوال, لكن الحقيقة التي يمكن العثور عليها في كذب (أولمرت) وادعاءاته خلال تلاوة البيان, هي أن الحكومة الإسرائيلية في مأزق, وكذلك الكنيست الإسرائيلي, وهذا المأزق هو الذي سيجعل مباراة تبادل التهم تمتد أشواطاً وأشواطاً بينهما, ولا تستطيع الضربات الترجيحية حسم المباراة لصالح هذا الفريق أو ذاك.‏

فالكنيست شأنه شأن الحكومة الإسرائيلية, يزخر بالنواب الذين يؤمنون أن العنف هو اللغة التي يمكن مخاطبة أبناء الأمة العربية بها, ويصرون على اعتمادها وسيلة للتفاهم مع العرب. وهم يفتحون مراكزاً لتعليم لغة العنف للصهاينة, وهذا المركز احتفل بتخريج حفنة من المجرمين أقدمت على قتل عدد من المواطنين اللبنانيين الأبرياء في قرية (الغجر) جنوب لبنان.‏

هؤلاء النواب المتطرفون في مأزق مستمر تتجدد حلقاته وقد شاهد العالم حلقة جديدة منه بعد العملية الاستشهادية التي نفذها شابان فلسطينيان في (ديمونة) التي ارتبط اسمها بالشر كونها تحتضن المفاعل النووي الإسرائيلي الذي ينتج أسلحة قد تعدها إسرائيل للاستخدام إذا دخلت في مواجهة جديدة مع الأمة العربية.‏

هذه العملية قدمت دليلاً جديداً على أن العنف لا يعالج بالعنف, وأن البطش الإسرائيلي لن يثني الفلسطينيين عن التشبث بحقوقهم المشروعة في إقامة دولتهم المستقلة فوق ترابهم الوطني.‏

الصورة الواضحة للمشهد الإسرائيلي اليوم تقول إن الكنيست والحكومة أدمنتا لعبة تبادل التهم, هذه اللعبة التي قذفت الحجر في البحيرة الراكدة فتكشفت المياه عن مأزق بات دوامة كبيرة تسبب صداعاً مزمناً للساسة الإسرائيليين.‏

والخروج من دوامة هذا المأزق, ليس باستمرار تقاذف الكرة بين الحكومة والكنيست وليس بالمفاخرة بتحمل المسؤولية أو التنصل منها, بل بالإصغاء إلى صوت المنطق, هذا الصوت الذي يقول إن للشعب العربي الفلسطيني حقوقاً لا بدّ من إعادتها إليه, ولا مناص من الخروج من كل شبر عربي محتل من الأرض العربية, ومن وقف العدوان المستمر على كل ما هو عربي وكل من هو عربي.